السؤال:

ما عقوبة القتل الخطأ في الإسلام ؟

الجواب:

قال الله سبحانه وتعالى { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأً ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليمًا حكيمًا.ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا } النساء 92 ، 93
، وتشير نصوص فقه مذهب الإمام أبى حنيفة إلى أن القتل الخطأ هو الفعل الصادر من الجانى الخالى من قصد القتل عند مباشرة المقصود لترك التثبت والاحتياط.
وفى فقه الإمام مالك هو ما مسببه غير مقصود لفاعله،باعتبار أن صنفه غير منهى عنه، فيدخل فيه القتل الخطأ بالتسبب.

وفى فقه الإمام الشافعى والإمام أحمد بن حنبل أن القتل الخطأ هو ما صدر من الإنسان بفعل لم يقصده أصلاً، أو قصد دون قصد الشخص المقتول، ويوافق جمهرة فقهاء مذهب الإمام أحمد فقهاء المذهب الشافعى فى هذا التحديد.
ولقد شرع الله سبحانه فى الآية الأولى الدية فى القتل الخطأ دون بيان قدرها، وجاءت السنة الشريفة مبينة لها
من هذا ما روى أبو بكر بن محمد بن عمر بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابًا جاء فيه (أن من اعتبط مؤمنًا قتلاً عن بينة فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول وأن فى النفس الدية مائة من الإبل إلى أن قال :وأن الرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار). ( رواه النسائى ، نيل الأوطار للشوكانى ج 7 ص 57 وسبل السلام للصنعانى ج 3 ص 322، وما بعدها ) وقد أجمعت الأمة ( الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ج 6 ص 188 ) من لدن النبى صلى الله عليه وسلم على وجوب الدية، ولم يُعرف عن أحد أنه أنكرها.
والحكمة من شرعية الدية وتقديرها، هى رفع النزاع فى تقدير القيمة إذا وكل إلى أولياء القتيل. وحتى لا يغالب هؤلاء أهل القاتل. وحتى يدخل الناس فى تقديرها عناصر أخرى غير الآدمية، إذ مهما اختلفت منازل الناس وأجناسهم، فهم جميعًا أمام تقدير الدماء سواء فلا تفاوت بينهم، لذلك لم يترك الشارع أمر تقديرها للحاكم، بل تولى تقديرها بنفسه.
والدية المقررة فى شريعة الإسلام، لا تدخل فى نطاق التعويض أو الغرامة التى تتردد فى قانون العقوبات الوضعى. ذلك لأن الدية وإن أشبهت الغرامة لما فيها من معنى الزجر للجانى بحرمانه من جزء من ماله، إلا أنها تخالفها فى أن الجانى لا يتحمل عبء الدية وحده فى أغلب الأحوال، كما أنها لا تؤول إلى الخزانة العامة كالغرامة. كما أن الدية تختلف عن التعويض إذ يدخل فى عناصر تقدير التعويض مقومات متعددة، مادية وجسدية وأدبية، بينما الدية جاءت مقدرة شرعًا، غير داخل فى تقديرها احتساب كل ما نتج عن الجريمة من الأذى والخسارة، وإنما كمقابل للنفس التى هلكت بالقتل فقط أو الأعضاء التى أتلفها الجانى، أما قدر الدية فقد اتفق الفقهاء ( بداية المجتهد ج – 2 ص 401 ) على أن مقدارها فى قتل الحر المسلم مائة من الإبل كما جاء فى كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن. ثم اختلفوا فى هل الأصل فى الدية هو الإبل، وأن ما عداها من الأصناف هو تقدير لها أم لا ؟ فقال الإمامان أبو حنيفة ومالك وهو أحد قولين فى مذهب الإمام الشافعى: إن الدية إنما تكون فى واحد من أصناف ثلاثة هى الإبل والذهب والفضة، وأن كل واحد أصل بنفسه. وذهب الإمام أحمد وصاحبا الإمام أبى حنيفة إلى أن الدية تكون من هذه الأصناف ومن البقر والغنم وانفرد هذان الصاحبان إلى أنها أيضًا تكون من الحلل. وقد قالوا إن هذه الأصناف أصول فى الدية. وذهب الإمام الشافعى فى الجديد ورواية عن الإمام أحمد إلى أن الأصل فى الدية الإبل، أما غيرها فهو بديل عنها وقيمة لها. ولكل جهته وأدلته المبسوطة فى موضعها من كتب الفقه.
ومن ثم كان لزامًا على فقهاء كل عصر أن يراعوا الميسور المتداول من هذه الأصول. ولما كان الأخذ بالمعيار النقدى أضبط وأيسر وأنسب وكان الذهب من أصول الأثمان، ولا خلاف فى تقدير الدية به فى الشريعة ، فقد وردت نصوص السنة بأنها ألف دينار من الذهب. والدينار اسم للقطعة من الذهب المضروبة المقدرة بالمثقال فهى متحدة من حيث الوزن ولا تفاوت بينها فتكون منضبطة. من يحمل الدية فى القتل الخطأ يحملها فى هذا عاقلة الجانى باتفاق الفقهاء، ويرى الإمامان أبو حنيفة ومالك أنه يحمل معها، بينما يرى فقه الإمامين الشافعى وأحمد أن الجانى لا يحمل مع العاقلة شيئًا. وأميل فى هذا الأخذ بقول فقه مذهبى الإمامين أبى حنيفة ومالك، حتى يتحقق الزجر والرجع للجانى، بانتقاض ماله بسبب تقصيره ووقوع جريمته. وإذا ثبت القتل الخطأ بإقرار الجانى أو بدليل شرعى آخر، كانت دية القتيل ألف دينار من الذهب. ولما كان الدينار يزن الآن 4.25 جرامًا، تكون جملة الدية 4250 جرامًا من الذهب تدفع عينًا لولى القتيل، أو قيمتها بالنقد السائد حسب سعر الذهب يوم ثبوت هذا الحق، ورضاء أو قضاء. والله سبحانه وتعالى أعلم.

الشيخ جاد الحق على جاد الحق(رحمه الله)