السؤال:

ما هي أسس اختيار عامل الجباية في الزكاة أو الضرائب؟

الجواب:

حسن اختيار العاملين على جباية الزكاة :.
ونعني بحسن اختيار العاملين على الزكاة مراعاة ما اشترطه الفقهاء في العامل: أن يكون مسلمًا كافيًا لعمله، عالمًا به، أمينًا فيه، وقد اهتم فقه السياسة الشرعية ببيان الشروط العامة لكل من يلي عملاً عامًا.
وجماع هذه الشروط اثنان، وهما: القوة والأمانة. وإليهما الإشارة بما جاء في القرآن الكريم: (إن خير من استأجرت القوي الأمين) (القصص: 26) وقد يعبر عن الأمانة بالحفظ، وعن القوة بالعلم كما في قوله تعالى على لسان يوسف : (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) (يوسف: 55).
وعند المُفاضلة بين القوة والأمانة في الوظائف والأعمال، يرجح أهل القوة في شؤون الجهاد ونحوه، ويرجح أهل الأمانة في شؤون المال.
إن العمل في الشؤون المالية مزلة قدم، لا يثبت فيها ضعفاء الأخلاق، ومهازيل الإيمان، الذين تزيغ أبصارهم عند أول بارقة من الدنيا، والذين يتبعون الهوى فيما يجمعون وفيما يصرفون.
وهؤلاء يعطون صورة سيئة عن نظام الزكاة وعن الإسلام كله، ويويئسون الجمهور – بسوء سلوكهم – من جدوى تطبيق أحكام الإسلام.
لهذا ينبغي التدقيق والتحري في كل من يتولى أمر الزكاة تحصيلاً، أو توزيعًا أو إشرافًا، وخصوصًا في الجهاز المركزي لمؤسسة الزكاة؛ لأنه بمثابة القلب الذي إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله.
وقد يساعد على تحقيق هذه الغاية قبول نسبة معينة في أجهزة الزكاة من المتطوعين المعروفين بقوة دينهم وحسن أخلاقهم، ممن يقومون بهذا العمل احتسابًا وطلبًا لما عند الله.
إن الزكاة فريضة دينية، وينبغي لمن يعمل في جهازها أن يعتبر نفسه في عبادة أو في جهاد. وقد جاء عن النبي: “العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته” (رواه أحمد وأبو داود (2936) والترمذي وحسنه (645) وابن ماجة (1809) وابن خزيمة في صحيحه، وأخرجه الحاكم أيضًا جـ1 ص406 وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي).
يجب أن يتصف بالعدل، فلا يحابي من يحب، ولا يحيف على من يكره، لا يدخله الرضا في باطل ولا يخرجه الغضب عن حق، ولا يكون همه محاباة الأغنياء، أو إرضاء الفقراء، بل يجعل كل همه إرضاء الله تبارك وتعالى.
ومن الأمثلة الرفيعة على هذه الصفة الكريمة، ما رواه المحدثون والمؤرخون عن عبد الله بن رواحة الأنصاري – رضي الله عنه – حين بعثه النبي خارصًا لثمار خيبر، وكان النبي زارعهم عليها بنصف ثمرها. فلما أتاهم جمعوا له حُليًا من حُلي نسائهم، فأهدوها إليه – على طريقة اليهود في شراء الذمم بالمال حينًا، وبالشهوات حينًا آخر – ولكن ابن رواحة واجههم بما لم يكونوا يتوقعون وقال لهم في إيمان القوي، وقوة المؤمن: يا معشر اليهود، والله إنكم لأبغض خلق الله إليَّ، وما ذاك بحاملي أن أحيف عليكم، وأما ما عرضتم عليَّ من الرشوة، فإنها سُحت، وإنا لا نأكلها، ثم خرَّص عليهم، ثم خيرهم أن يأخذوها أو يأخذها هو، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض!.
وفي رواية أنه قال لهم: والله ما أعلم في خلق الله أحدًا أعظم مرية، وأعدى لرسول الله منكم، والله ما خلق الله أحدًا أبغض إلي منكم، والله ما يحملني ذلك على أن أحيف عليكم قدر مثقال ذرَّة، وأنا أعلمها!.
وبعد هذه الكلمات المُضيئة خرَّص ابن رواحة الثمار جميعًا: الذي للمسلمين والذي لليهود، ثمانين ألف وسق، فقال اليهود: حربتنا – أو أكثرت علينا – فقال ابن رواحة: إن شئتم فأعطونا أربعين ألف وسق، ونخرج عنكم، وإن شئتم أعطيناكم أربعين ألف وسق وتخرجون عنا، فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض ! وبهذا يغلبونكم.
ويجب على موظف الزكاة أن يكون عفيفًا، لا تمتد يده ولا عينه إلى شيء من مال الزكاة، فإنها حق الفقراء والمساكين وسائر المستحقين، وليس له منها إلا مقدار ما رُصد له، جزاء على عمله، فمن سال لعابه بعد ذلك إلى شئ ما من مال الزكاة فأخذه، فقد أكل حق الفقراء والمحتاجين، بل أكل في بطنه نارًا.
وقد شدَّد النبي غاية التشديد في الحرص على مال الزكاة وأنذر العاملين عليها بأشد العذاب إذا هم تهاونوا في ذلك، فاستحلوا لأنفسهم أخذ شئ مما جمعوه.
فعن عدي بن عُميرة قال: سمعت رسول الله يقول: “من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مَخيطًا – إبره خيط – فما فوقه كان غلولاً – خيانة – يأتي به يوم القيامة” (رواه مسلم وأبو داود وغيرهما – الترغيب للمنذري كتاب الصدقات – باب الترغيب في العمل على الصدقة بالتقوى).
وعن عبادة بن الصامت: أنه بعثه على الصدقة، فقال : يا أبا الوليد، اتق الله، لا تأتي يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة لها ثغاء” قال: يا رسول الله، إن ذلك لكذلك؟! قال: “إي والذي نفسي بيده”. قال: فوالذي بعثك بالحق، لا أعمل لك شيئًا أبدًا (رواه الطبراني في الكبير وإسناده صحيح كما قال المنذري – المصدر السابق. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد – 86/3 رجاله رجال الصحيح).
أعلن ذلك “عبادة ” خشية على نفسه ودينه أن يمسه شرر هذا الوعيد وهو لا يشعر، وهو من هو في المسلمين. حتى الهدية لم يجزها النبي للعاملين على الزكاة؛ لأنها كثيرًا ما تكون رشوة مقنعة، ولهذا أنكر النبي إنكارًا شديدًا على أحد عمال الزكاة حين احتجز بعض ما جاء به وقال: هذا هدية أهديت إليَّ.
فخطب في ذلك، وكان مما قاله: “أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا؟! والله لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه، إلا لقى الله يحمله يوم القيامة” (الشيخان وأبو داود).
ومن هنا نصح الإمام أبو يوسف أمير المؤمنين هارون الرشيد أن يجتهد في حسن اختيار العاملين على الصدقات، فقال في كتابه (الخراج): (ومر يا أمير المؤمنين باختيار رجل أمين عفيف ناصح مأمون عليك وعلى رعيتك، فوله جميع الصدقات في البلدان، ومُرْهُ فليوجه فيها أقوامًا يرتضيهم ويسأل عن مذاهبهم وطرائقهم وأماناتهم يجمعون إليه صدقات البلدان، فإذا جمعت إليه أمرته فيها بما أمر الله جل ثناؤه به فأنفذه ولا تولها عمال الخراج. فإن مال الصدقة لا ينبغي أن يدخل في مال الخراج، وقد بلغني أن عمال الخراج يبعثون رجالاً من قبلهم في الصدقات يظلمون ويعسفون ويأتون ما لا يحل ولا يسع، وإنما ينبغي أن يتخير للصدقة أهل العفاف والصلاح، فإذا وليتها رجلاً ووجه من قبله من يوثق بدينه وأمانته، أجريت عليهم من الرزق بقدر ما ترى، ولا تجري عليهم ما يستغرق أكثر الصدقة.
ولا ينبغي أن يجمع مال الخراج إلى مال الصدقات والعشور ؛ لأن الخراج فئ لجميع المسلمين، والصدقات لمن سمى الله عز وجل في كتابه) (الخراج لأبي يوسف ص80. ط. السلفية).
ومما قاله أيضًا:.
(فمر يا أمير المؤمنين العاملين عليها بأخذ الحق، وإعطائه من وجب له وعليه، والعمل في ذلك بما سنه رسول الله، ثم الخلفاء من بعده. واعلم أنه من سن سنة حسنة، كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها، من غير أن ينتقص من أجورهم شئ، ومن سن سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، من غير أن ينتقص من أوزارهم شئ). (نفسه ص76).