السؤال:

ما حكم التأمين التجارى؟

الجواب:

شركات التأمين

ومن صور المعاملات الجديدة ما يسمى (بشركات التأمين) ومنه ما يكون تأمينا على الحياة، وما يكون تأمينا ضد الحوادث. فما الحكم في هذه الشركات؟ وهل يقرها الإسلام؟

وقبل الجواب نود أن نسأل عن طبيعة هذه الشركات ما هي؟ وما علاقة الفرد المؤمن له بالشركة المؤمنة؟

وبعبارة أخرى: هل يعتبر الشخص المؤمن له لدى مؤسسة التأمين شريكا لأصحابها؟

لو كانت كذلك لوجب أن يخضع كل مؤمن له فيه للربح والخسارة وفق تعاليم الإسلام.

وفي التأمين ضد الحوادث يدفع المؤمن له مقدارا من المال في العام فإذا قدر سلامة ما أمن عليه (متجر أو مصنع أو سفينة أو غير ذلك) فإن الشركة تستولي على المبلغ كله ولا يسترد شيئا منه. وإذا حلت به كارثة عوض بالمقدار المتفق عليه. وهذا أبعد ما يكون عن طبيعة التجارة والاشتراك التضامني.

وفي التأمين على الحياة إذا أمن بمبلغ 2000 ألفين من الجنيهات مثلا، ودفع أول قسط ثم اخترمته المنية، فإنه يستحق الألفين كاملة غير منقوصة. ولو كان شريكا في تجارة ما استحق غير قسطه وربحه.

ثم هو لو أخل بالتزامه نحو الشركة، وعجز عن سداد الأقساط -بعد دفع بعضها- لضاع عليه ما دفعه أو جزء كبير منه. وهذا أقل ما يقال فيه: إنه شرط فاسد.

ولا وزن لما يقال: إن الطرفين -المؤمن له والشركة- قد تراضيا، وهما أدرى بما يصلحهما، فإن آكل الربا ومؤكله متراضيان. ولاعبي الميسر متراضيان، ولكن لا عبرة بتراضيهما، ما دامت معاملتهما غير قائمة على أساس من العدالة الواضحة التي لا يشوبها غرر ولا تظالم، ولا غنم مضمون لأحد الطرفين غير مضمون للطرف الآخر. العدالة إذا هي الأساس ولا ضرر ولا ضرار.

هل هي مؤسسات تعاونية

وإذا لم يتضح لنا بوجه من الوجوه أن العلاقة بين المؤمن له والشركة علاقة الشريك بالشريك فماذا عسى أن تكون طبيعة العلاقة بينهما؟ هل هي علاقة تعاون؟ وهذه الجمعيات إذا مؤسسات تعاونية تقوم على مساهمة مجموعة من المتبرعين بمقادير من أموالهم يدفعونها بقصد المساعدة بعضهم لبعض؟

ولكن لكي يكون هناك تعاون سليم بين أي جماعة لتساعد أحد أفرادها إذا نزل به مكروه، يشترط فيما يجمع من مال لتحقيق هذه الغاية أمور:

أن يدفع الفرد نصيبه المفروض عليه في ماله على وجه التبرع، قياما بحق الأخوة، ومن هذا المال المجموع تؤخذ المساعدات المطلوبة للمحتاجين.

إذا أريد استغلال هذا المال المدخر فبالوسائل المشروعة وحدها.

لا يجوز لفرد أن يتبرع بشيء ما على أساس أن يعوض بمبلغ معين إذا حل به حادث، ولكن يعطى من مال الجماعة بقدر ما يعوض خسارته أو بعضها، على حسب ما تسمح به حال الجماعة.

التبرع هبة والرجوع فيها حرام، فإذا حدث فليراع حكم الشرع في ذلك.

وهذه الشروط لا تنطبق إلا على ما تقوم به بعض النقابات والهيئات عندنا حيث يدفع الشخص اشتراكا شهريا على وجه التبرع، ليس له أن يسترده ويرجع فيه، ولا يشترط مبلغا معينا يمنحه عند حدوث ما يكره.

أما شركات التأمين وخاصة التأمين على الحياة فإن هذه الشروط لا تنطبق عليها بحال.

فالأفراد المؤمن لهم لا يدفعون بقصد التبرع، ولا يخطر لهم هذا على بال.

وشركات التأمين جارية على استغلال أموالها في أعمال ربوية محرمة. ولا يجوز لمسلم أن يشترك في عمل ربوي. وهذا مما يتفق على منعه المتشددون والمترخصون.

يأخذ المؤمن له من الشركة -إذا انقضت المدة المشروطة- مجموع الأقساط التي دفعها، وفوقها مبلغ زائد، فهل هو إلا ربا؟!

كما أن من مناقضات التأمين لمعنى التعاون أن يعطي الغني القادر أكثر مما يعطي العاجز المحتاج؛ لأن القادر يؤمن بمبلغ أكبر فيعطي عند الوفاة أو الكارثة نصيبا أكثر. مع أن التعاون يقضي أن يعطى المحتاج أكثر من غيره.

ومن أراد الرجوع في عقده انتقص منه جزء كبير. وهو انتقاص لا مسوغ له في شرع الإسلام.

على أني أرى أن عقد التأمين ضد الحوادث يمكن أن يعدل إلى صورة قريبة من المعاملات الإسلامية. وهو صورة عقد (التبرع بشرط العوض) فالمؤمن له متبرع بما يدفع من مال إلى الشركة على أن يعوض عند النوازل التي تنزل به بما يعينه ويخفف عنه بلواه. وهذه الصورة من التعامل جائزة في بعض المذاهب الإسلامية.

فلو عدل عقد التأمين إليها، وخلت معاملة الشركة من الربويات لاتجه القول بالجواز. أما التأمين على الحياة فصورته كما أرى تبعد كثيرا عن المعاملات في الإسلام.

نظام التأمين الإسلامي

وإذا كنا نرى الإسلام يعارض شركات التأمين في صورتها الحاضرة ومعاملاتها الجارية فليس معنى هذا أنه يحارب فكرة التأمين نفسها. كلا إنه يخالف في المنهج والوسيلة، أما إذا تهيأت وسائل أخرى للتأمين لا تنافي صورة المعاملات الإسلامية، فالإسلام يرحب بها.

وعلى كل حال فإن نظام الإسلام قد أمن أبناءه والمستظلين بظل دولته بطرقه الخاصة -شأنه في كل شرائعه وتوجيهاته- إما عن طريق تكافل أبناء المجتمع بعضهم مع بعض، وإما عن طريق الحكومة وبيت المال. فهو -أي بيت المال- شركة التأمين العامة لكل من يستظل بسلطان الإسلام.

وفي الشريعة الإسلامية نجد تأمين الأفراد عند الحوادث ومعاونتهم على التغلب على الكوارث التي تصيبهم. وقد ذكرنا من قبل أن من الأمور التي تبيح للفرد المسألة أن تصيبه جائحة، فإذا أصابته جائحة حلت له مسألة ولي الأمر حتى يعوض ما أصابته أو يخفف عنه بعضه.

كما نجد التأمين للورثة بعد الوفاة في قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: “أنا أولى بكل مسلم من نفسه من ترك مالا فلورثته. ومن ترك دينا أو ضياعا (أي أسرة أولادا صغارا) فإلي وعلي”.

ومن أعظم ما شرعه الإسلام لتأمين أبنائه: سهم (الغارمين) في مصارف الزكاة. فقد جاء عن بعض مفسري السلف في تفسير الغارم: أنه من احترق بيته أو ذهب السيل بماله أو تجارته أو نحو ذلك.

وأجاز بعض الفقهاء أن يعطى مثل هذا من حصيلة الزكاة ما يعيده إلى حالته المالية السابقة وإن بلغ ذلك الألوف.

والله أعلم
الشيخ /يوسف القرضاوى