السؤال:

ما حكم العاصي إذا حيل بينه وبين المعصية؛ بحيث يتعذر وقوعها منه ؛ هل تصح توبته؟

الجواب:

يقول ابن القيم هنا: في هذا قولان للناس:
فقالت طائفة: لا تصح توبته؛ لأن التوبة إنما تكون ممن يمكنه الفعل والترك فالتوبة من الممكن، لا من المستحيل، ولهذا لا تتصور التوبة من نقل الجبال عن أماكنها، وتنشيف البحار، والطيران إلى السماء، ونحوه.
قالوا: ولأن التوبة مخالفة داعي النفس، وإجابة داعي الحق، ولا داعي للنفس هنا، إذ يعلم استحالة الفعل منها.
قالوا: ولأن هذا كالمكره على الترك، المحمول عليه قهرًا، ومثل هذا لا تصح توبته.
قالوا: ومن المستقر في فطر الناس وعقولهم: أن توبة المفاليس وأصحاب الجوائح: توبة غير معتبرة، ولا يحمدون عليها، بل يسمونها توبة إفلاس، وتوبة جائحة.

قالوا: ويدل على هذا أيضًا: أن النصوص المتضافرة المتظاهرة قد دلت على أن التوبة عند معاينة الموت لا تنفع، لأنها توبة ضرورة لا اختيار، قال تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (النساء: 17، 18) و ” الجهالة ” هاهنا: جهالة العمل، وإن كان عالمًا بالتحريم. قال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ما عُصي الله به فهو جهالة، عمدًا كان أو لم يكن، وكل من عصى الله فهو جاهل.
وأما التوبة من قريب: فجمهور المفسرين: على أنها التوبة قبل المعاينة، قال عكرمة: قبل الموت، وقال الضحاك: قبل معاينة ملك الموت، وقال السدي والكلبي: أن يتوب في صحته قبل مرض موته (قال السيد رشيد رضا رحمه الله، معلقًا على هذه الأقوال: اغتر الناس بظواهر هذه الأقوال في تفسير الآية، وهذه الأحاديث، فصاروا يسوفون في التوبة، ويصرون على المعاصي، فترسخ في قلوبهم، وتأنس بها أنفسهم، وتصير ملكات وعادات يتعذر عليهم – أو يتعسر – على غير الموفق النادر الإقلاع عنها حتى يجيئهم الأجل الموعود، وليس معنى الآية: أن التوبة المقبولة المرضية التي أوجب الله على نفسه قبولها: هي ما كانت عن معاص يصر المرء عليها إلى ما قبل غرغرة الموت، ولو بساعات أو دقائق، بل المراد القرب من وقت الذنب المانع مع الإصرار، كما في الآية الأخرى، ولعل مراد عكرمة والضحاك وأمثالهما موافقة معنى الحديث، من أن الله يقبل توبة العاصي ما لم يغرغر، أي أنه على فرض أنه تاب في أي وقت من الأوقات، قبل الغرغرة والمعاينة، تقبل توبته، ولا يكون ذلك منافيًا للآية، فإن الإنسان قد يتوب قبل الغرغرة من ذنب عمله من عهد قريب، ولكن قلما يتوب من الإصرار الذي رسخ في الزمن البعيد، فإن تاب فقلما يتمكن من إصلاح ما أفسده الإصرار من نفسه ليصدق عليه قوله تعالى: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى. وجملة القول: إن المراد أن الإصرار والتسويف خطر، وإن كانت التوبة تقبل في كل حال اختيار، إذ الغالب أن المرء يموت على ما عاش عليه، فليحذر المغرورون)، وفي المسند وغيره عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)) وفي نسخة دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعًا: ((إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوى عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب عز وجل: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني)) (الحديث ضعيف، لأنه من رواية دراج وهو ضعيف، وخصوصًا في روايته عن أبي الهيثم).
فهذا شأن التائب من قريب، وأما إذا وقع في السياق – أي في سياق الموت – فقال: إني تبت الآن ! لم تقبل توبته، وذلك لأنها توبة اضطرار لا اختيار، فهي كالتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها، ويوم القيامة، وعند معاينة بأس الله.
قالوا: ولأن حقيقة التوبة: هي كف النفس عن الفعل الذي هو متعلق النهي، والكف إنما يكون عن أمر مقدور، وأما المحال، فلا يعقل كف النفس عنه، ولأن التوبة هي الإقلاع عن الذنب، وهذا لا يتصور منه الإيقاع حتى يتأتى منه الإقلاع.
قالوا: ولأن الذنب عزم جازم على فعل المحرم، يقترن به فعله المقدور، والتوبة منه: عزم جازم على ترك المقدور، يقترن به الترك، والعزم على غير المقدور محال، والترك في حق هذا ضروري، لا عزم غير مقدور، بل هو بمنزلة ترك الطيران إلى السماء،ونقل الجبال، وغير ذلك.
والقول الثاني – وهو الصواب – أن توبته صحيحة ممكنة، بل واقعة، فإن أركان التوبة مجتمعة فيه، والمقدور له منها: الندم، وفي المسند مرفوعًا ” الندم توبة ” فإذا تحقق ندمه على الذنب ولومه نفسه عليه، فهذه توبة، وكيف يصح أن تسلب التوبة عنه، مع شدة ندمه على الذنب، ولومه نفسه عليه، ولا سيما ما يتبع ذلك من بكائه وحزنه وخوفه، وعزمه الجازم، ونيته أنه لو كان صحيحًا والفعل مقدورًا له لما فعله.
وإذا كان الشارع قد نزل العاجز عن الطاعة منزلة الفاعل لها، إذا صحت نيته، كقوله في الحديث الصحيح: ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا)) وفي الصحيح أيضًا عنه ((إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر)) وله نظائر في الحديث، فتنزيل العاجز عن المعصية، التارك لها قهرًا – مع نيته تركها اختيارًا لو أمكنه – منزلة التارك المختار أولى.
يوضحه: أن مفسدة الذنب التي يترب عليها الوعيد تنشأ من العزم عليه تارة ومن فعله تارة، ومنشأ المفسدة معدوم في حق هذا العاجز فعلاً وعزمًا، والعقوبة تابعة للمفسدة.
وأيضاً فإن هذا تعذر منه الفعل وما تعذر منه التمني والوداد، فإذا كان يتمنى ويود لو واقع الذنب، ومن نيته: أنه لو كان سليمًا لباشره، فتوبته بالإقلاع عن هذا الوداد والتمني، والحزن على فوته، فإن الإصرار متصور في حقه قطعًا، فيتصور في حقه ضده، وهو التوبة، بل هي أولى بالإمكان والتصور من الإصرار، وهذا واضح.
والفرق بين هذا وبين المعاين، ومن ورد القيامة: أن التكليف قد انقطع بالمعاينة وورود القيامة، والتوبة إنما تكون في زمن التكليف، وهذا العاجز لم ينقطع عنه التكليف، فالأوامر والنواهي لازمة له، والكف متصور منه عن التمني والوداد، والأسف على فوته، وتبديل ذلك بالندم والحزن على فعله، والله أعلم (مدارج السالكين: 283/1 -286).