السؤال:

لماذا لم يوجب الإسلام الزكاة على غير المسلمين؟

الجواب:

للجواب عن هذا السؤال، أو التساؤل: ينبغي لنا أن نبيِّن، أن هنا اعتبارين يبدوان لمن يتأمل حقيقة فريضة الزكاة.

الاعتبار الأول: أنها تكليف اجتماعي، وحق معلوم، للسائل والمحروم، وضريبة مالية، أوجب الله تعالى أن تؤخذ من أغنياء الأمة، لتُرَد على فقرائها، قيامًا بحق الأخوة، وحق المجتمع، وحق الله عَزَّ وجَلَّ.

الاعتبار الثاني: أنها عبادة من عبادات الإسلام، ودُعامة من الدعائم الخمس، التي قام عليها بناؤه، شأنها شأن الشهادتين، وإقامة الصلاة، وصوم رمضان وحج البيت الحرام.

وقد قرنها القرآن بالصلاة، في عشرات المواضع، وجعلها – مع التوبة من الشرك وإقامة الصلاة – مظهر الدخول في الإسلام، واستحقاق إخوة المسلمين، كما أن بعضًا من أسهم الزكاة، يُصرف في نُصرة الإسلام، وإعلاء كلمته، والمصالح العامة لدعوته، ودولته. وذلك هو سهم: “في سبيل الله” ومنها: ما يُصرف في تأليف القلوب، أو تثبيتها عليه. وذلك هو سهم “المؤلفة قلوبهم”.

فإذا جاء في بعض الأحاديث: أنها تؤخذ من الأغنياء لترد على الفقراء فذلك على سبيل الاكتفاء بالمقصود الأول للزكاة، وهو إغناء الفقراء، ولكن القرآن فصَّل لنا مصارف ثمانية، منها : “المؤلَّفة قلوبهم” و” في سبيل الله”.
ولهذا الاعتبار، أبت سماحة الإسلام وحساسيته – في معاملة غير المسلمين واحترام عقائدهم – أن يفرض عليهم ضريبة لها صبغة دينية واضحة، حتى إنها لتعد شعيرة من شعائره الكبرى، وعبادة من عباداته الأربع، وركنًا من أركانه الخمسة.

هل يؤخذ مقدار الزكاة من غير المسلمين كضريبة؟

إننا لا نشك أن الزكاة لا تجب -وجوبًا دينيًا- على غير المسلمين من حيث هي عبادة وشعيرة، ولكن ألا يجوز أن يؤخذ منهم مقدارها على أنها ضريبة من الضرائب تؤخذ من الأغنياء لتُرَد على الفقراء؟
فالمسلم يدفعها فريضة وعبادة، وغيره يدفعها ضريبة! وبذلك نتفادى التفرقة بين المواطنين في دولة واحدة، ولا نُحمِّل المسلم من الأعباء المالية أكثر من غيره ونخفف التكاليف الإدارية والفنية التي تتوزع بين إدارة الزكاة للمسلمين، والضريبة الخاصة لغير المسلمين.

هذه قضية تحتاج إلى اجتهاد جماعي من علماء المسلمين القادرين على الاجتهاد، ولكن إلى أن يتاح لنا الاجتهاد الجماعي المنشود لا مانع أن أبدي رأيي في هذا الأمر، على ضوء دراستي ومعاناتي للموضوع، فترة غير قصيرة. وأعتقد أن الاجتهادات الفردية هي التي تمهد السبيل إلى اجتهاد جماعي سليم.
فإذا كان هذا الرأي صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان.

والذي يتراءى لي بعد البحث: أنه لا مانع من أخذ الزكاة بوصفها ضريبة من غير المسلمين من أهل الذمة إذا رأى ذلك أولو الأمر ويدل على هذا أمور:

1- إن مراد علمائنا بقولهم: “لا تجب الزكاة على غير مسلم” هو الوجوب الديني، الذي يتعلق به المطالبة في الدنيا والثواب والعقاب في الآخرة. أما الإيجاب السياسي الذي يقرره ولي الأمر بناء على اعتبار المصلحة التي يراها أهل الشورى، فلم يرد ما يمنعه.

2- إنهم علَّلوا عدم وجوب الزكاة على غير المسلم؛ بأنه حق لم يلتزمه، فلا يلزمه (المجموع للنووي: 5/327). ومعنى هذا أنهم لو التزموا هذا ورضوه لم يكن بذلك بأس.

3- إن أهل الذمة في ديار الإسلام كانوا يدفعون للدولة الإسلامية ضريبة مالية سماها القرآن: “الجزية” مشاركة في النفقات العامة للدولة التي تقوم بحمايتهم والدفاع عنهم. وكفالة العيش لهم، وتأمينهم ضد العجز والشيخوخة والفقر، كالمسلمين، كما رأينا ذلك جليًا في صنيع عمر مع الشيخ اليهودي الذي رآه يسأل على الأبواب. والواقع الماثل الآن في البلاد الإسلامية: أن أهل الكتاب لا يدفعون الجزية، ويأنفون من هذا الاسم، فهل يمكن أن يدفعوا بدلاً منها ضريبة على وفق مقادير الزكاة، وإن لم تسم باسمها؟

إن الذي رواه المؤرخون والمحدِّثون وفقهاء المال في الإسلام عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في موقفه من نصارى بني تغلب، يعطينا رُخصة للنظر في هذا الأمر على ضوء الواقع والمصلحة العامة.
روى أبو عبيد بسنده عن زرعة بن النعمان – أو النعمان بن زرعة – أنه سأل عمر بن الخطاب وكلمه في نصارى بني تغلب وكان عمر قد هَمَّ أن يأخذ منهم الجزية، فتفرقوا في البلاد. فقال النعمان بن زرعة لعمر: يا أمير المؤمنين إن بني تغلب قوم عرب، يأنفون من الجزية، وليست لهم أموال (يعني الذهب والفضة) إنما هم أصحاب حروث ومواشٍ، ولهم نكاية في العدو، فلا تُعن عدوك عليك بهم. قال: فصالحهم عمر على أن أضعف عليهم الصدقة (أي جعلها مضاعفة عليهم).
وأخرج البيهقي عن عبادة بن النعمان في حديث طويل: أن عمر لما صالحهم على تضعيف الصدقة قالوا، نحن عرب لا نؤدي ما تؤدي العجم، ولكن خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض (يعنون الصدقة) فقال عمر: لا، هذه فرض المسلمين. قالوا: زد ما شئت بهذا الاسم، لا باسم الجزية. ففعل، فتراضى هو وهم على تضعيف الصدقة عليهم.
وفي بعض روايات هذا الحديث أن عمر قال: “سموها ما شئتم” (الأموال : ص 541 وهامشها وص 28، 29 منه. وقد ضعف ابن حزم خبر بني تغلب هذا (المحلى: 6/111) ولكن الخبر مشهور رواه ابن أبي شيبة وأبو يوسف في الخراج ص 143 – ط. السلفية، ويحيى بن آدم في في الخراج ص 66-67 ط. السلفية، والبلاذري في فتوح البلدان ص 189 – ط. مصر سنة 1319 هـ.
وقال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- معقبًا على خبر بني تغلب هذا: روي من طرق كثيرة تطمئن النفس إلى أن له أصلاً صحيحًا).
وقد علق الإمام أبو عبيد على حكم أمير المؤمنين عمر في بني تغلب، إذ قبل منهم أموالهم ولم يجعلها جزية كسائر ما على أهل الذمة، بل جعلها صدقة مضاعفة، فقال: “وإنما استجازها فيما نرى وترك الجزية، لما رأى من نفارهم وأنفهم منها، فلم يأمن شقاقهم واللحاق بالروم، فيكونوا ظهيرًا لهم على أهل الإسلام، وعلم أنه لا ضرر على المسلمين من إسقاط ذلك الاسم عنهم مع استيفاء ما يجب عليهم من الجزية، فأسقطها عنهم، واستوفاها منهم باسم الصدقة حتى ضاعفها عليهم، فكان ذلك رتق ما خاف من فتقهم، مع الاستيفاء لحقوق المسلمين في رقابهم، وكان مسددًا. كما روي في الحديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: “إن الله تبارك وتعالى ضرب بالحق على لسان عمر وقلبه” وكقول عبد الله (يعني ابن مسعود) فيها:” ما رأيت عمر قط إلا وكأن مَلكًا بين عينيه يسدده”، ومثل قول علي: “ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر، وكقول عائشة فيه: “كان والله أحوذيًا (الأحوذي: المشمر في الأمور القاهر لها لا يشذ عليه منها شيء، والسريع في كل ما أخذ فيه والعالم بالأمر، كما في المعجم الوسيط) نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها”.
قال أبو عبيد: “فكانت فعلته هذه من تلك الأقران التي أعد، في كثير من محاسنه لا تحصى” (الأموال ص 541 وما بعدها). فهذا الفاروق -رضي الله عنه- لم يَرَ بأسًا أن يأخذ من هؤلاء النصارى ضريبة أو جزية تسمى باسم “الصدقة” لنفورهم من عنوان “الجزية”، وقد ضاعف عليهم مقادير الصدقة الواجبة علي المسلمين وفقًا لطلبهم الذي صولحوا على أساسه. ولهذا قال الزهري: ليس في مواشي أهل الكتاب صدقة، إلا نصارى بني تغلب -أو قال: نصارى العرب- الذين عامة أموالهم المواشي (الخراج ليحيى بن آدم ص 65 – ط. السلفية).
هذا هو فعل عمر، وقد أقرَّه من معه من الصحابة رضوان الله عليهم.
فلِمَ لا يجوز أن تُفرض ضريبة على أهل الذمة في البلاد الإسلامية في هذا العصر، تقوم مقام الجزية التي طالبهم بها النظام الإسلامي مقابل فريضتين لازمتين في أعناق المسلمين: فريضة الجهاد التي يبذلون فيها الدم، وفريضة الزكاة التي يبذلون فيها المال؟؟

لم لا يجوز فرض هذه الضريبة بعد مشورة أهل الرأي من المسلمين ومنهم؟.
وإن لم تعط هذه الضريبة اسم الصدقة والزكاة، كما طلب نصارى بني تغلب وأجابهم إلى ذلك عمر.
أعتقد أن هَدي عمر هنا نبراس يضيء الطريق لمن أراد أن يتخذ من هذا الأمر قرارًا على ضوء ظروف العصر ومشكلاته.
وقد قال الشافعية والحنابلة: إذا كان قوم غير مسلمين لهم قوة وشوكة، وامتنعوا عن أداء الجزية إلا إذا صولحوا على ما صولح عليه بنو تغلب، وخيف الضرر بترك إجابتهم إلى طلبهم، ورأى الإمام إجابتهم، دفعًا للضرر؛ جاز ذلك إذا كان المأخوذ منهم بقدر ما يجب عليهم من الجزية وزيادة، قياسًا على ما فعله عمر بنصارى بني تغلب (انظر: أحكام الذميين والمستأمنين للدكتور عبد الكريم زيدان ص 149. نقلاً عن المغني: 8/516، ومتن المنهاج: 4/251.) ولا شك أن هذا القول سليم، ودليله قوي.
كما لا ريب أن الزكاة في كل مال نامٍ أكثر قطعًا من الجزية التي هي مقدار زهيد لا يؤخذ إلا من الرجال القادرين على حمل السلاح، أما الزكاة فتؤخذ من الرجال والنساء جميعًا، بل من الصبيان والمجانين أيضًا عند الجمهور.
أما تضعيف الزكاة على أهل الذمة فليس أمرًا لازمًا، إنما فعل ذلك عمر مع بني تغلب؛ لأنهم هم الذين طلبوا ذلك، ووقع عليه الصلح والتزموا به. وهو أمر يرجع إلى السياسة الشرعية، ومقتضيات المصلحة العامة للدين والدولة.
وقد أصاب ابن رشد حين ذكر هذه المسألة تحت عنوان: “الزكاة على أهل الذمة” فقال: “وأما أهل الذمة فإن الأكثر على أن لا زكاة على جميعهم، إلا ما روت طائفة من تضعيف الزكاة على نصارى بني تغلب، أعني أن يؤخذ منهم مثلا ما يؤخذ من المسلمين في كل شيء، وممن قال بهذا القول: الشافعي وأبو حنيفة وأحمد والثوري، وليس عن مالك في ذلك قول وإنما صار هؤلاء لهذا، لأنه ثبت أنه فعل عمر بن الخطاب بهم، فكأنهم رأوا أن هذا توقيف ولكن الأصول تعارضه” أهـ (بداية المجتهد: 1/209 – ط. مصطفى البابي الحلبي).

أقول: قد رأينا قول أبي عبيد في توجيه فعل عمر، وليس فيه معارضة للأصول، بل تحقيق مصلحة المسلمين ورفع الضرر عنهم، وليس من الضروري أن يكون ذلك عن توقيف، وقد أمرنا باتباع سُنَّة الخلفاء الراشدين.

4- ومما يؤيد رأينا أن محمد بن الحسن – صاحب أبي حنيفة – قال: إذا باع المسلم أرضه العُشرية التي لا خراج عليها لذمي، وجب على الذمي العُشر، لأنها أرض عُشرية، فلا تتبدل وظيفتها بتبدل المالك، ولا يجوز أن ينتفع بها الذمي في دار الإسلام دون مقابل (بدائع الصنائع: 2/54،55، والهداية وشروحها “فتح القدير”: 2/10 وما بعدها، وقد خالف محمد في هذا الرأي الشيخين: أبا حنيفة وأبا يوسف. فأبو حنيفة قال: يجب عليه الخراج، وتصير الأرض خراجية، وأبو يوسف قال: تبقى عُشرية، كما قال محمد: ولكن عليه عُشران، كالتغلبي).
ولا شك أن العُشر زكاة.

5- إن أهل الكتاب مأمورون في دينهم بالزكاة، مدعوون إلى البر بالفقراء، ونصوص القرآن دالة على ذلك مثل قوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) (البينة: 5).
وكذا في العهد القديم والعهد الجديد كثيرًا من النصوص التي تدعو إلى هذا البر، وتحث عليه.
فهم إذا طولبوا بالزكاة إنما يطالبون بشيء منصوص على أصله في دينهم والجديد فيه: إنما هو التقدير والتحديد والإلزام.

6- قد روي عن عمر بن الخطاب وبعض التابعين: جواز صرف الزكاة إلى أهل الذمة، فإذا جاز أن يُصرف لهم جزء من الزكاة التي تؤخذ من المسلمين، فلا مانع أن تؤخذ من أغنيائهم زكاة عن أموالهم، لتُرَد على فقرائهم، قيامًا بواجب التكافل الذي يشمل المسلم وغير المسلم ما دام يعيش في كنف دولة الإسلام.
وحينئذ تسمى “ضريبة التكافل الاجتماعي” أو “ضريبة البر” أو نحو ذلك من الأسماء، حتى تُميَّز عن الزكاة الإسلامية، فلا تُحرج ضمائرهم، ولا ضمائر المسلمين.
وينبغي أن يظل مصرف كُلٍّ مُتميِّزًا: زكاة المسلمين، وضريبة غير المسلمين. فهما تتفقان في الوعاء والشروط والمقادير، ولكن تختلفان في الاسم والمصرف، نظرًا لطبيعة كل منهما وهدفه وأصل وجوبه.