السؤال:

ضمني مجلس مع بعض الأصدقاء، فوجدتهم يتحدَّثون عن معايب بعض الغائبين عن المجلس وأنا أعلم أنه بريء من ذلك فاستحييت أن أكذِّب كلامهم، ولما علم هذا الغائب بسكوتي قاطعني، فكيف أتصرف؟

الجواب:

من المعلوم أن الغِيبة مُحَرَّمَة، والنصوص في ذلك كثيرة، ومن المعلوم أيضًا أن المُؤمن إذا رأى منكرًا وَجَبَ عليه أن يقاومه بالوسيلة الممكنة من اليد واللسان والقلب، كما صحَّ في الحديث، وكان من الواجب على من حضر مجلس المغتابين أن يقوم بواجبه نحو هذا المُنكر، ولا يقتصر على بيان حُرْمَة ارتكاب المنكر، بل ينبغي أن يرد ما تحدث به المغتابون، إن كانوا كاذبين فهناك أمران مطلوبان: أحدهما: نحو المغتابين، والثاني: نحو من اغتابوا ، وبخاصة إن كان شخصًا فاضلاً أو له حق على الإنسان كالوالد والمُعَلِّم.
يقول الإمام النووي “الأذكار ص 340” اعلم أنه ينبغي لمن سمع غِيبة مسلم أن يردَّها ويزجِر قائلها، فإن لم يستطع فارق ذلك المجلس، فإن سمع غِيبة شيخه أو غيره ممن له عليه حق أو كان من أهل الفضل والصلاح كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر، وأورد حديثًا رواه الترمذي وحسَّنه: “من ردَّ عن عِرْضِ أخيه ردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة”، وحديثًا رواه البخاري ومسلم جاء فيه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قام يُصَلِّي فسأل عن مالك بن الدخشم، فقال رجل: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله”، وذكر دفاع معاذ بن جبل عن كعب بن مالك حين ذمَّه رجل من بني سلمة في مجلس الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإقرار النبي لمعاذ، كما ذكر حديثًا رواه أبو داود في سننه: “ما من امرئ يَخْذُل امرأً مسلمًا في موضع تُنْتَهَك فيه حُرْمَته ويُنْتَقَصُ فيه من عِرْضِه إلا خَذَلَهُ الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موضع يُنْتَقَصُ فيه من عِرْضه ويُنْتَهَكُ فيه من حُرْمَته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته” كما ذكر حديثًا رواه أبو داود: “من حَمَى مؤمنًا من منافق ـ أراه قال ـ بعث الله تعالى مَلَكًا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمي مسلمًا بشيء يريد شيْنه حبسه الله على جِسْرِ جهنم حتى يخرج مما قال”.
إن صاحب السؤال قد قصَّر في حق المغتابين بالاستحياء من تكذيبهم، وقصر في حق الغائب بعدم الدفاع عنه، وبهذا يكون قد ارتكب خطأين، إلى جانب خطأ ثالث وهو عدم ترك هذا المجلس الذي يُرْتَكب فيه المنكر، وفيه إغراء للمغتابين على الاستمرار فيه، ودليل ـ ولو في الظاهر ـ على أنه موافق لهم راضٍ عن معصيتهم، والرضا بالمعصية إسهام فيها يجازى بالتالي عليها، والله سبحانه يقول: (وقد نَزِّل عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ والْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (سورة النساء : 140) “انظر ص 336 من الأذكار”، وقد مرَّ توضيح ذلك في ص 649 من المجلد الرابع.
ومن حق أخيك الذي لم تدافع عنه أيُّها السائل أن يُعتب عليك؛ لأنك قصرت في حق المسلم على أخيه المسلم، وأرجو أن تعتذر له حتى تعود الصلة بينكما، كما أرجو من صديقه أن يقبل العُذر حتى لا يدخل تحت الحديث: “من أتاه أخوه متنصِّلاً ـ معتذرًا ـ فليَقْبَل ذلك، محقًّا كان أو مبطلاً، فإن لم يفعل لم يرِد على الحوْض” رواه الحاكم وصححه، وروى مثله تقريبًا الطبراني.
وأنصح السائل أن يختار أصدقاء من الصالحين، والحديث في مَثَل الجليس الصالح والجليس السوء معروف.