السؤال:

ما حُكْمُ الشَّرع في عَمليات التَّجْمِيل للإنسان ؟

الجواب:

 

التَّجْمِيل بمعناه العام ما يكون بإعْطَاء الشيء العادي مِسْحَةً مِن الجَمَال، وبالارتقاء بالجَمِيل إلى وضع أجمل، يكون بإحلال الجَمَال مَحَل القُبْح، والكَمَال بَدَل النَّقْص .

وتَجْمِيل الجِسْمِ الإنْسَانِي بوْجه عام له أهميته، وتجميل الأنثى بوجه خاص له خُطُورَته، والجمال أمر مُحَبَّبٌ إلى النَّفس، وله مَكَانَتُه في الدين، فهو مطلوب شَرْعًا بالقَدْر الذي يُؤَدِّي الغَرَض الطَّيب منه بعيدًا عن الحرام في الأُسْلُوب والهَدف والغَاية .

وجِراحة التَّجْمِيل نوعان، نوْعٌ يَغْلِب عليه الطَّابَع العِلاجي كإصلاح خَلَل طاريء، ونوعٌ يغلب عليه الطَّابَع الجمالي الذي فيه تَحْسِين وضع قائم .

فالتَّجْمِيل العلاجي الذي يُبَاشره المُخْتصون في المصحات والعيادات لا يَشُك عاقلٌ في مشروعيته، وليس في الدين ما يمنعه، بل إنَّ نصوصه ورُوحه العامة تَطْلُبه، وقد تَرْقَى به إلى درجة الوجوب، كجَبْر عَظْم كُسِرَ، أو خياطة جُرْحٍ خطير أو تَرْقِيع جِلْدٍ أُحْرِقَ، وذلك من باب المعونة على الخير، وإنْقَاذ النَّفْس من التَّهْلُكَة .

وليس في هذا النوع تَغْيير لِخَلْق الله، بل هو إزالةٌ للتشويه العارِض على خَلْقِ الله .

والنوع الثاني من التجميل الذي يمارس في الصالونات وبيوت التجميل، الأصل فيه الإباحة، وهو مطلوب للشرع في حدود مُعَيَّنَة . والمَمْنُوع منه ما قُصِدَ به التَّغْرِير والتَّدْلِيس، أو الإغْرَاء والفِتْنَة وإليك بعض الأمثلة .

1 ـ مولود له إصْبَع زائِدَة، قال جماعةٌ من الفقهاء ـ وعلى رأسهم الطَّبَري ـ قَصُّها حرام؛ لأنَّ فيه تَغْييرًا لخَلْق الله، وطاعة للشيطان الَّذي قال الله فيه ( وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله ) ( النساء : 119 )، وقد طرد هؤلاء الحُكْم حتى حَرَّموا إزالة اللِّحية التي تَنْبُتْ للمرأة، وإزالة السِّن الزائدة . نصَّ على ذلك القُرْطبي في تفسيره وابن حجر في فتح الباري والنووي في المجموع وشرح صحيح مسلم .

وقال جماعة بالجَوَاز ؛ لأنَّ الإصْبَع الزائدة ـ وإن كانت من صُنْعِ الله ـ هي حالة من الحالات التي يُسَميها الأطباء شاذةً أو استثنائية، ووجودها فيه تَشْويه، بل قالوا : تَنْدُب إزالتها إذا كان في بقائها إيذاء، ولا يدْخُل ذلك في تَغْيير خَلْقِ الله، فإنَّ هذا التَّغْيير لم يُتفَق على معناه، وتفصيل ذلك مذكور في تفسير القرطبي لهذه الآية .

جاء في فتح الباري لابن حجر ” ج12 ص500 ” بعد حكاية قَوْل الطبري في التحريم الشامل: ويُسْتَثْنَى من ذلك ما يحصل به الضرر والأَذِيَّة، كمن يكون لها سِنٌ زائدة أو طويلة تُعِيقُها في الأَكْل، أو إصْبَع زائدة تُؤْذِيها أو تُؤْلِمُها، فيجوز ذلك . والرَّجل في هذا الأخير كالمرأة . وقال النووي في شرح صحيح مسلم ” ج14 ” في التَّنْمِيص : إنه حرامٌ إلا إذا نَبَتَتْ للمرأة لِحْيَة أو شارب، فلا يَحْرُم بل يُسْتَحَب . أهـ .

ومثل السِّن الزَّائدة أو الطويلة، والإصْبَع الزائدة، خِيَاطة الشِّفة المشقوقة، وتَعْدِيل الأنف المُعْوَجّ، وتَرْقِيع الأُذُن المَخْرُوقة، ما دام أثر العلاج يكون دائمًا، حيث لا يكون فيه تَغْرِير ولا تَدْلِيس .

2 ـ شد الوجه للعجوز لتَبْدُو شابة، إنَّ هذه العَمَلية تَحْسِين مُؤَقَّت يعود الوجه لأصله بعد مدة طالت أو قصُرَت ولذلك لا يلجأ إليه غالبًا إلا من يُتَاجِرْن بجمالهن، فهو كما عبَّر عنه بعض الفقهاء ـ شأن الفاجرات، والقصد منه سيء لا شك فيه، فهو حرامٌ؛ لأنَّ التَّغْرِير فيه واضح، حيث إنَّ التَّحْسِين فيه مُؤَقَّت، يزول ثم يحتاج إلى تَكْرَار .

فلو انتَفَى عاملُ التَّغْرِير والتَّدْلِيس والقَصْد السَّيء، كأنْ كانت العجوز مُتَزَوِّجَة وأذِنَ لها زَوْجُها بذلك لمُتْعَتِه الخاصة لا لشيء آخر فلا وجْهَ للْقَوْل بحُرْمَتِه، وقد صحَّ عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه لَعَنَ المُتَفَلِّجَات للْحُسْن أي: اللاتي يُفَرِّجْن بين الأسنان لتظهر صغيرة جميلة، طالباتٍ بذلك الحُسْنَ والتغرير.

والذي يقوم بجراحة التجميل وما شابَهَها، إن كان يَعْلَم أنَّ ذلك مَقْصُود به سوء فعَمَله حرام؛ لأنه يُسَاعِدُ على الحَرَام، وإن لم يكن يَعْلَم ما يُرَاد به فلا بأس، بل قد يكون عَمَله مَنْدُوباً، أو واجبًا في مثل إزالة التشويه الحادِث بالحُرُوق أو الكُسور .

أما وصل الشعر والتَّنْمِيص وأنواع التَّزَيُّن الأخرى فقد أوْفَيْت الكلام عليها في كتابنا ” الإسلام ومشاكل الحياة ” والجزء الثالث في حقوق الزوجية من موسوعة ” الأسرة تحت رعاية الإسلام” .

والله أعلم