السؤال:

ما المراد بالفكر الإسلامي، وما هي وسائل تأمينه؟

الجواب:

الفكر قد يُراد به المعنى المصدري وهو حركة العقل أي التفكير، وقد يُراد به المعنى الحاصل بالمصدر، وهو القضايا الناتجة عن هذه الحركة وغيرها، ويجب أن نعلم أن في الإسلام قَضايا لا يصلُح أن يطلَق عليها اسم الفكر الإسلامي، وهي القضايا التي مصدرها الوحي بدءًا أو نهاية، كاجتهاد الرسول الذي أقرّه الوحي الإلهي، وذلك كالعقائد وما عُرِف من الدين بالضرورة. وفيه قضايا هي نتاج العقل والنظر، سواء في الأصول والفروع، كحكم مرتكب الكبيرة هل هو مؤمن أو كافر أو في منزلة بينهما؟ وكالقَدْر الواجب مسحُه من الرأس في الوضوء.، وغير ذلك ممّا في كتب الكلام والفقه.
وتأمين القضايا الأولى يكون بتعلُّمها والتسليم بها، والنّقاش حولها لا يكون بنَقضِها ولكن بدعمها وبيان حكمتها، مع التسليم بأن الجهل بالحكمة لا يغيّر الحكم، كالشأن في الآيات المُتشابِهات إما أن يسلَّم بها كما هي، وإما أن تؤوَّل على ضوء الآيات المحكمات.
أما القضايا الاجتهاديّة فتأمينها في نظري يكون بمدارستها واختيار أوفقها لرُوح الشريعة ولمسايرة العصر، فيما ثبتت فائدته تحقيقًا لحكمة التشريع في رعاية المصلحة، مع بيان فضل هذا النتاج الفكري، وما ثبت من أصول على نتاج الأفكار والشرائع الأخرى.
وإذا أريد بالفكر الإسلامي حركة العقل، أو منهج البحث فهناك تكون الخطورة؛ لأن السلوك وليد الفكر كما أثبته العلم وسبق به الرسول في قوله “ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب” رواه البخاري ومسلم. وتأمين هذا الفكر أو هذا التفكير في الإسلام له مَجالان، مجال وَقائي ومَجال عِلاجي.
ففي المجال الوَقائي أضَع هذه الوسائل باختصار:
1 ـ ترك النّص الواضح جانِبًا والنظر في غيره، فالحلال بَيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مُشتبهات، وهذه هي محلُّ التفكير لبيان ما هو خير منها.
2 ـ عدم التّقليد الأعمى في العقائد والأفكار والسلوك لغير المعصوم، وكم في القرآن من آيات تنُصُّ عليه. منْها قولُه تعالى: (وكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنّا وُجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ . قَالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ) (سورة الزخرف : 23 ، 24) وقوله (وقالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وكُبَراءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ) (سورة الأحزاب : 67).
3 ـ طلب الدليل والبرهان لكل ما يُؤخَذ من قضايا ، وفي القرآن، قوله تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (سورة النمل : 64) وقوله : (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوه لَنَا) (سورة الأنعام : 148).
4 ـ كون المقدِّمات التي يُستدَلّ بها يقينيّة في العقائد بالذات؛ لأنها هي التي توجه السّلوك، قال تعالى: (ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (سورة الإسراء : 36) وقال: (إنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا) (سورة النجم : 28) وقال (إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ) (سورة الحجرات: 6).
5 ـ عدم التعصُّب للرّأي الاجتهادي فهو محتمَل للخطأ؛ لأنه قد يتأثر بالهوى أو بمؤثّرات أخرى، وأقوال الأئمة المجتهدين في ذلك معروفة” إذا صحّ الحديث فهو مذهبي واضربوا بقولي عُرْض الحائط”، “رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمِل الصواب” وقال الإمام الشافعي.
كلَّما أدَّبَنِي الدّهْرُ أَراني نَقْصَ عَقْلِي
وإذا مَا زِدْتُ عِلمًا زادَنِي عِلمًا بِجَهْلِي
6 ـ محاولة أن يكون الاجتهاد جماعيًّا، وهو المعروف بالشورَى تضييقًا لشُقّة الخلاف، وتنويرًا للأذهان، ومساعدة لها على الوصول إلى الحقّ أو القرب منه.
7 ـ طلب العلم على المختصّين، والقضاء على فكرة الحواجز التي يُحاول المُنحرفون أن يضعوها بين الشّباب، وبين رجال العلم، والله يقول: (فاسْألُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (سورة النحل : 43).
8 ـ وضع حدّ للفتاوى التي تصدر من غير ذوى الاختصاص ، فمن قال في القرآن برأيه ضلَّ وفي الحديث المتّفق عليه “إنّ الله لا يَقبِض العلم انتزاعًا ينتزعه من العِباد ولكن يَقبض العلم بِقَبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالِمًا اتّخذ الناس رؤساء جُهّالاً فأفتَوْهم بغير علم، فضَلُّوا وأضَلُّوا” وأُحِبُّ أن أقول هنا: إن الإسلام ليس فيه كهنوت، أو عِصمة جماعة عن الخطأ ينزل قولهم منزلة الوحي، ولكنّ فيه اختصاصًا بالعلم والمعرفة شأن كل علم في أي قطاع لابد أن يؤخَذ عن أهله، وباب العلم مفتوح لكلّ راغب، لكن الفتوى هي لمَن بلغوا درجة منه تؤهِّلهم لها.
9 ـ الاهتمام بتحصين كل مسلم وبخاصّة في مراحل التعليم الأولى، وذلك بالعناية بالتعليم الديني على وجه يجعل الشاب بالذات حَذِرًا مُتيقِّظًا ناقدًا لكل فكر طارئ، وبدون هذه الحَصانة سيكون الانحراف والانجراف أمام التيارات العنيفة المحلية والخارجية.