السؤال:

ما حُكم قيام التلاميذ تحيةً للمُدرس عندما يدخل الفصل؟

الجواب:

القيام للقادم من أجل التعظيم والاحترام إذا كان يستحقه لا بأس به، كالإمام العادل والوالدين والعلماء، وكذلك للقادم من السفر ولكبير السن والمُدرس وغيرهم ممن ينبغي أن نوفِّر لهم الاحترام.
جاء في البخاري ومسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال للأنصار لما جاء سعد بن معاذ راكبًا على حمار وكان جريحًا “قوموا لسيِّدكم” ولم يكن القيام لأجل معاونته، فقد كان رجال من بني الأشهل يقولون: قمنا له على أرجلنا صفين، يحييه كل رجل منا حتى انتهى إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقام طلحة ـ رضي الله عنه ـ لكعب بن مالك ـ رضي الله ـ عنه لما تاب الله عليه ولم ينكر عليه النبي ذلك، كما رواه البخاري ومسلم.
وروى الترمذي بسند صحيح قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ “ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا، وروى أحمد قوله أيضًا “ليس من أمتي من لم يُجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقَّه”.
وروى أبو داود بإسناد جيد حديث “إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والمتجافي عنه وذي سلطان مُقْسِط” وقد صح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا دخلت عليه ابنته فاطمة قام إليها وأخذ بيدها وقبَّلها وأجلسها في مجلسه رواه النسائي والترمذي عن عائشة وقال: حديث حسن صحيح. وكان يقوم لعبد الله بن أم مكتوم كُلما أقبل عليه ويقول: “مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي”.
ويُكْرَه القيام تحية لمن لا يستحق التكريم، وبخاصة إذا طلبه، اللهم إلا إذا خاف الإنسان بطشه، فيدفع عنه شره بالقيام له، ويُحمل على ذلك حديث حسن لأبي داود والترمذي “من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار” وحديث أبي داود وابن ماجه بإسناد حسن عن أبي أمامة الباهلي ـ رضي الله عنه ـ قال: خرج علينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ متوكئًا على عصا، فقمنا إليه فقال: “لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يُعَظِّمُ بعضهم بعضًا” قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: في سنده أبو العديس وهو مجهول. وذكر ابن حجر في الفتح عن الطبري بأنه ضعيف.
جاء في كتاب” غذاء الألباب للسفاريني ج 1 ص 275 وما بعدها” أن أبا الوليد بن رشد قال: القيام يقع على أربعة أوجه.
الأول : محظور وهو أن يقع لمن يريد أن يُقام له تكبُّرًا وتعاظمًا على القائمين إليه.
الثاني: مكروه وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين ولكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر، ولما فيه من التشبه بالجبابرة.
الثالث: جائز، وهو أن يقع على سبيل الإكرام لمن لا يريد ذلك ويُؤْمَنُ معه التشبه بالجبابرة.
الرابع: مندوب وهو أن يقوم لمن قدم من سفر فرحًا بقدومه، ليسلِّم عليه أو إلى من تجددت له نعمة فيهنيه، أو مصيبة فيعزيه.
وجاء فيه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تلقى جعفر بن أبي طالب لما قدم من الحبشة فالتزمه وقبَّل ما بين عينيه. وروى البيهقي عن الصحابي واثلة بن الخطاب أن رجلاً دخل المسجد ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جالس، فتحرك له النبي، فقال رجل: إن في المكان سعة، فقال “للمؤمن ـ أو للمسلم ـ حق” كما روى البيهقي من طريق الواقدي بسنده مرفوعًا والحاكم في المُستدرك ورواه مالك عن الزهري مرسلاً، أن عكرمة بن أبي جهل لما دخل على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مُسلمًا مهاجرًا قام إليه فرحًا بقدومه.وروى الترمذي وحسنه عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: دخل زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بيتي فأتاه فقرع الباب، فقام إليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عريانًا يجر ثوبه، والله ما رأيته عريانًا قبله ولا بعده فاعتنقه وقبَّله.
وجاء فيه أيضًا أن أبا داود روى عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجلس معنا في المجلس يحدثنا، فإذا قام قمنا قيامًا حتى نراه قد دخل بيوت أزواجه.
وروى أبو داود عن عمرو بن السائب أنه بلغه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قدم عليه أبوه من الرضاعة فأجلسه على بعض ثوبه، ثم أقبلت أمه فوضع شِق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأجلسه بين يديه، وهو حديث مرسل جيد.
ثم ذكر السفاريني أن مجد الدين بن تيمية تحدث في “مُنتقى الأحكام ” عن قيام المُغيرة بن شُعبة على رأس النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالسيف في صلح الحديبية، وقال: فيه استحباب الفخر والخيلاء في الحرب لإرهاب العدو، وأنه ليس بداخل في ذمه لمن أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا، وكذا قال غيره: وقال الخطابي: فيه دليل على أن إقامة الرئيس الرجال على رأسه في مقام الخوف ومواطن الحروب جائز، وأن قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ” من أراد أن يتمثَّل له الرجال صفوفًا فليتبوأ مقعده من النار”.
إنما هو فيمن قصد به الكِبْر، وذهب مذهب النَّخوة والجبرية. انتهى كلامه.
وجاء في إحياء علوم الدين للإمام الغزالي “ج 2 ص 268” : والقيام عند الدخول للداخل لم يكن من عادة العرب، بل كان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لا يقومون لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بعض الأحوال، كما رواه أنس ـ رضي الله عنه ـ (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح) ولكن إذا لم يثبت فيه نهي عام فلا نرى به بأسًا في البلاد التي جرت العادة فيها بإكرام الداخل بالقيام، فإن المقصود منه الاحترام والإكرام وتطيب القلب به.
وجاء في الأذكار للنووي (ص 267) أنه قال: وأما إكرام الداخل بالقيام الذي نختاره أنه مُسْتَحب لِمَنْ كان فيه فضيلة ظاهرة من عِلْمٍ أَوْ صَلَاحٍ أو شرف أو ولاية ونحو ذلك، ويكون هذا القيام للبر والإكرام والاحترام، لا للرياء والإعظام، وعلى هذا استمر عمل السلف والخلف.
هذا عرض لبعض ما قيل في الوقوف للتحية، وللتوفيق بين النصوص المُجيزة والمانعة أختار ما نقله السفاريني عن ابن رشد من التفصيل، وللنيات وظرف الأحوال دخل في تكييف الحكم.


الوسوم: