السؤال:

لماذا لا يتركنا الله أحرارًا نعيش في الدنيا كما نشاء، دون أن يُكَلِّفنا بأمور تُحد من حريتنا وتجعلنا لا نُحس بِلذة الحياة؟

الجواب:

ما دام صاحب هذا السؤال مُؤْمِنًا بالله، وليس من الكُفار الذين لا يؤمنون بوجود إله، ولا يَدينون بدين، فإننا نقول له إضافة لما سبق في صفحة 71 من المجلد السادس من هذه الفتاوى: إنَّ الله سبحانه عندما خَلَقَ آدم أبا البشر ليكون خَلِيفة في الأرض خَلَقَه من الأرض نفسها لتسري عليه طبيعتها وليتكيَّف معها. والأرض فيها مُتقابلات ومُتناقضات، لما تحويه من عناصر مُختلفة لكلٍّ منها خصائصها الذاتية التي قد تتغيَّر عند اختلاط بعضها ببعض، بل قد يكون العنصر وحده فيه خيرٌ كبير، لكن مع اختلاطه بغيره قد يكون فيه شَرٌّ مُسْتطير.

وآدم المخلوق من عناصر مُخْتلفة، نَفَخَ الله فيه من روحه وميَّزه بالعقل الذي يسيطر على شهواته وميوله، وأمده بالوحي ليشدَّ أَزْرَ عَقْلِهِ الذي قد يَضْعُف أمام طُغْيَان الشَّهوات، وقبل أن يُسَلِّمَه زِمَامَ الأرض التي يعيش فيها أجرى عليه تجربة ـ مع تجاوز في هذا التعبير ـ ليؤكِّد للملائكة أنه هو المخلوق الذي يُطيع ويعصي، ويُؤمن ويَكفر، ويتفاعل مع الأرض بكلِّ ما فيها من متقابلات، وليس كالملائكة المخلوقين من نور، كلهم خير وطاعة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فَأَسْكَنَه هو وزوجته الجنة وأباح له التمتُّع بكلِّ ما فيها من طيِّبات ما عدا شيئًا واحدًا هو شجرة مُعَيَّنة، فشاء الله بحُكْم طبيعة آدم أن يُخالف أمر به، فَأَكَلَ من الشجرة فظهرت صِحة التجربة، وأهبطه الله إلى الأرض ليباشر مُهمته التي خُلِق من أجلها.

ولم يتركه الله وحده في هذا العالم الجديد المُخالف للعالم الذي كان يعيش فيه من قبل، فأمده بالوحي ليهتدي به، وأكَّد له أنه سينجح في مُهمته إذا اتَّبع هو وذريته هذا الوحي، وبالعكس إذا أعرض عنه سيعاني في حياته مُعاناة شديدة وسيحاسبه على كل ما قدَّم من عمل عند عودته مرة ثانية إليه سبحانه، إلى العالم الباقي الخالد، بعد هذا العالم المُؤقت الذي عاش فيه قليلاً، قال تعالى: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتَيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى . وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضنْكًا . وَنَحْشُرُهُ يومَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (سورة طه : 123، 124) وقال: (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسِتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين . قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) (سورة الأعراف : 24، 25).

فالله سبحانه لم يترك لآدمَ الحرية ليفعل ما يشاء، بل قيَّدها ليميزه عن كل المخلوقات التي تتصرف تلقائيًا بحكم تكوينها، وعن كلِّ الحيوانات التي تشبه آدم في كثير من خصائصها، وبيَّن له أن الذي يتبع هُدى الله سيعيش سعيدًا ويُبْعَث سَعيدًا، وما دام هو مؤمنًا بوجود الله وقُدرته وفَضْلِه وبالمسئولية أمامه سيحاول أن يجاهِد لينفِّذ أوامر الله. معتقدًا أنها كلها لمَصْلَحَتِهِ، وأن الله حكيم لا تصدر أفعاله إلا عن حِكْمة، ولا حاجة به أن يسأل ربه حين يكلفه بشيء لماذا كلفتني به، فالعبد المُطيع يسارع لتنفيذ أوامر سيده دون سؤال أو اعتراض.