السؤال:

يتحدث بعض الناس عن التعصُّب الديني، فما هو هذا التعصب، وهل من التعصب تمسُّك الإنسان بدينه وحفاظه عليه؟

الجواب:

إذا وُجِدَ بين الناس فردٌ أو جماعة أخذت نفسها بالتشدد في تطبيق أحكام الإسلام فهي وما أخذت نفسها به في سلوكها الخاص، ولكن نُذكرهم بما في الدِّين من سَمَاحَةٍ ويُسْر، فقد صحَّ في الحديث الشريف “إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدَّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدَّدُوا وَقَارِبُوا” رواه البخاري ، وفيه أيضًا “هَلَكَ المُتَنَطِّعُون، هَلَكَ المُتَنَطِّعُون، هَلَكَ المُتَنَطِّعون” رواه مسلم. وسلوك هؤلاء ـ وإن كان شخصيًا ـ لا يخلو من تأثير على الغيْر الذي قد يعتقد أو يظن أن الإسلام هو بهذه الصورة التي عليها هؤلاء، فيرغب عنه وينصرف إلى غيره، أو يطبقه على مضض؛ لأن فيه ما لا طاقة له به من تكاليف.
أما فرض هؤلاء المُتَشددين سلوكهم على غيرهم فإن الإسلام يأباه وينفِّر منه، وقد صح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نصح مُعاذًا وزميله عند بعثِهما إلى اليمن بقوله “يسِّرا ولا تُعَسِّرا، وَبَشِّرَا ولا تُنَفِّرا وتَطَاوَعَا ولا تَخْتِلَفا ” رواه مسلم، وقال “يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا” رواه البخاري ومسلم، واشتد النبي على معاذ لما أطال الصلاة بالناس وشكوه إليه فقال له “أفتان أنت يا مُعَاذ” رواه البخاري ومسلم.
إن التعصُّب لرأي في الدين ينشأ من سوء الفهم، فإن الفروع الفقهية التي هي مجال للتعصُّب فيها خلاف عند المُجْتَهدين، أما الأصول فهي واضحة لا يكاد يجهلها أحد، والرأي الاجتهادي ليس تنزيلاً من عند الله يُلْتَزَمُ، وليس هو صوابًا دائمًا، بل هو عُرْضَة للخطأ أو يحتمله وقد أُثر عن الفقهاء الأولين قولهم: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. والسَّلف الصالح ـ على الرغم من اختلاف رأيهم في بعض المسائل الفرعية ـ كانوا إخوة مُتحَابينَ، يَقْتَدي بعْضُهُمْ ببعض في الصلاة، ويتزاورون ويتعاونون في الخير، والتعصُّب للرأي هو في حقيقته اتِّباع للهوى، والله يقول: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ) (الجاثية: 23) ويقول: (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (الروم : 31، 32) والتعصُّب إذا كان بمعنى تمسُّك الإنسان بدينه وحِرْصه على أداء واجبه دون تفريط فيه تحت التأثير بإغراء أو تهديد. فهو أمر محمود، وهو من أَخْذِ الدين بالقوة الذي يشير إليه قوله تعالى: (خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ) (البقرة: 63).
والحِرْص على أداء الواجب والتمسُّك بالدين لا يعني كراهية المُخالفين بصورة تُؤدي إلى النِّزاع والشِّقاق وإثارة الفتن. فالله يقول في المخالفين للدين: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) (التوبة : 7) ويقول: (لَا يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة : 8) والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “أنا أوْلى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة” قالوا وكيف يا رسول الله؟ قال: “الأنبياء إخوةٌ من عِلات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد فليس بيننا نبي” رواه مسلم. في نزاع بين مسلم ويهودي قال: “لا تُفَضلوني بين أنبياء الله” رواه مسلم، وفي الحديث الشريف “ليس منا من دَعَا إلى عَصَبية” رواه مسلم. ومن التعصُّب المحمود ما يكون ضد الأعداء المُحاربين، وعليه يُحْمَلُ قوْله تعالى: (لَا يَتَّخَذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران : 28) وقوله: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ…)، (المُجَادلَة: 22) وقوله : (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدَوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) (الممتحنة : 1).
وأحَذِّر المتعصبين أن يخرج بهم تعصبهم إلى رمي غيرهم من المسلمين بالْكُفْر جُزافًا، فإن من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، كما ثبت في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم.
والخلاصة أن التشدد في تطبيق الدِّين لا يُقِره الإسلام، فالله يقول: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن : 16) ويقول: (يُرِيدُ اللهَ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ) (البقرة: 185) والتعصُّب للرأي وفَرْضه على الغيْر ممنوع. والتعصُّب للحق الذي لا مِراء فيه ممدوح، بشرط عدم الإضرار بالآخرين، والمسئولون هم الذين يتوَلون إصلاح الخارجين على الحق. والتعصُّب للوطن كَكُل، والوقوف ضد المحاربين له واجب، والتعصُّب ضد الأنبياء ممنوع، وضد أتباعهم كذلك ممنوع ما داموا مسالمين.