السؤال:

نرى بعضًا من شباب اليوم مُتجِهمًا فِي أَكثر الأوقات، لا يحب المَرح، ويعد الفكاهة لهوًا يصرف عن الله، ويزعم أن من يتمتعون بزينة الحياة الدنيا ليس لهم في الآخرة إلا النار، فهل الدين يُحَرِّم على الإنسان أن يأخذ حَظَّه من الدنيا من الحلال؟

الجواب:

الأديان بوجه عام لا تحارب الغرائز لتقضي عليها، فهي ضرورة لحياة الإنسان تساعده على تحقيق خلافته في الأرض، ولذلك خَلَقَ لآدم حواء ليسكن إليها وجعل بينه وبينها مودة ورحمة، ولكونه مخلوقًا من خليط من العناصر أمكنه أن يتكيف مع الأرض التي خُلق منها، ويتقلب مع الحياة بحلوها ومُرها.
ومهمة الأديان هي ترويض هذه الغرائز وتوجيه قوتها إلى الخير بقدر المُستطاع، والإنسان روح وجسد، عقل وغرائز، ولكلٍّ منها غذاؤه الذي يعيش به، والأديان أرشدت إلى غذاء كل منها، ووفقت بين مطالبها في اعتدال وحِكْمَة من أجل إنتاج الخير والبُعد عن الشر، قال ذلك سيدنا موسى لقارون (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (سورة القصص : 77).
ودين الإسلام كان منهجه أحكم المناهج في سياسة الغرائز والعمل للدنيا والآخرة على السواء، ونصوصه في ذلك كثيرة، وعمل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو أصحابه في هذا المجال يشهد بحيوية هذا الدين وعدم تزمته وانغلاقه وتبرُّمه بالدنيا وزُهْده في الحياة. ويشهد بقيام الدعوة الدينية على سُنن الله الكونية المراعية للفطرة الإنسانية، التي تمل من الجدية والصرامة طول حياتها، وتحتاج إلى الترويح المقبول الذي تُغذي به روحها وعاطفتها.
وأنواع الترويح كثيرة منبثة في الكون كله ومتاحة لكل من يريدها. غير أن الدين وضع لها إطارًا تُمارس فيه حتى لا يُساء استغلالها، وحتى لا تخرج عن الغرض منها، فأباح الترفيه الذي لا يصادم نصًا يمنعه أو حُكمًا مُقررًا في الدين لا يتفق معه، والذي لا يترتب عليه تقصير في واجب، على أن يكون ذلك بقَدْرٍ حَتَّى لا يصير عادة تُغريه بالانصراف عن الأعمال الجادة. ومما يدُل على ذلك:
1 ـ قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (سورة الأعراف : 32).
2 ـ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (سورة المائدة : 87).
قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لِمَنْ اعتزموا الصيام طولَ الدَّهر والقيام طول الليل وترك الزواج: “أما إنِّي أخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رَغِبَ عن سُنتي فليس مني” رواه البخاري ومسلم.
4 ـ قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حادث سلمان الفارسي وأبي الدرداء: “إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حقًّا وإن لنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّه” رواه البخاري. وفي رواية “وإن لعينيك عليك حقًّا، وإن لِزَوْرِكَ ـ الضيوف ـ عليك حقًّا” وفي رواية “وإن لوالدك عليك حقًّا”.
5 ـ قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لحنظلة بين الربيع الأسيدي الذي ظنَّ أنَّ تَمَتعه مع زوجته وأولاده وأمواله نفاقٌ يغاير ما يكون عليه من الجدية عند لقائه ـ عليه الصلاة والسلام ـ “والذي نفسي بيده أن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فُرُشِكُمْ وفي طُرُقِكُمْ، ولكن يا حنظلة ساعةٌ وساعةٌ” .ثلاث مرات .رواه مسلم.
6 ـ كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يمزح ولا يقول إلا حقًّا. روى الشيخان أنه داعب صغيرًا يلعب بعصفور قائلاً : “ما فعل النغير يا أبا عُمير”؟ وروى الترمذي بإسناد حسن أنهم قالوا له: إنك تداعبنا فقال: “إني وإن داعبتكم فلا أقول إلا حقا” وتسابق مع السيدة عائشة كما رواه النسائي وابن ماجه، وشهد معها لعب الحبشة وقال: “حتى تعلمَ يهود أن في ديننا فسحة” وسمع الحداء وأعجب به، وتسابق مع بعض الأعراب على ناقته، وشهد الرماة وهم يتبارون بالنبال وشجعهم على ذلك دون انحياز إلى فريق ضد فريق حتى لا يغضبهم، وروي عنه أنه قال ” روحوا القلوب ساعة فساعة” رواه أبو داود في مراسيله ـ ما سقط منها الصحابي ـ ورواه أبو بكر بن المقرئ والقضاعي، وهو حديث ضعيف.
ذلك وأمثاله يدل على أن الإسلام لا يحرم اللهو البريء والتمتع بطيبات الحياة في المأكل والمشرب والملبس، بل يدعو إليه لتنشيط النفس على العبادة، فإنها تمل كما تمل الأبدان، ما دام ذلك في اعتدال لا يؤدي إلى تقصير في واجب، يقول الشاعر أبو الفتح البستي:
أفد طبعك المكدود بالهم راحة يَجُمَّ وعَلِّلْه بشيء من المَزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن بمقدار ما تعطي الطعام من الملح
وكل ذلك من منطلق قوله تعالى: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ) (سورة البقرة : 185) وقوله: (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (سورة البقرة: 286) قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ “إن هذا الدِّين يُسْر وَلَن يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلا غَلَبَه” رواه البخاري وقوله “هَلَكَ المُتَنَطِّعُون” ثلاث مرات رواه مسلم.
إن الفهم الصحيح للدين يريح الإنسان ويقيه شر الانحراف، ويُريح الناس منه ويُعطي صورة طيبة لهذا الدين الخاتم، تبعد عنه ما يفتريه المُفترنرى بعضًا من شباب اليوم مُتجِهمًا فِي أَكثر الأوقات، لا يحب المَرح، ويعد الفكاهة لهوًا يصرف عن الله، ويزعم أن من يتمتعون بزينة الحياة الدنيا ليس لهم في الآخرة إلا النار، فهل الدين يُحَرِّم على الإنسان أن يأخذ حَظَّه من الدنيا من الحلال؟