السؤال:

هل يجوزُ لإنسانٍ مُسلم أو دوْلة مُسلمة أن تَسْتعين بجيشٍ غير مُسلم لدفع غارات العدو؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد

يجوز الاستعانة بالمشركين إن كانت ثمة مصلحة مؤكدة للمسلمين ، ولا يجوز الاستعانة بهم على المسلمين ، وأن تكون القيادة والكثرة والقوة للمسلمين .

يقول فضيلة الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر ـ رحمه الله ـ في كتابه أحسن الكلام في الفتوى والأحكام:

دلَّت حوادثُ كثيرة على أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه استعانوا بغير المسلمين للدفاع عن النفس أو لتحقيق مصلحة مشروعة. ومن ذلك:

1 ـ إذن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمُسلمين في مكة أن يُهاجروا إلى الحَبشة ليَأْمَنوا على أنفسهم وعلى دِينِهم، وقال: “لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها مَلِكًا لا يُظلمُ عنده أحد… وهي أرض صِدْقٍ حتى يجعل الله لكم فَرَجًا مما أنتم فيه” كما ذكره ابن إسحاق  فهاجروا مَرتين، وكانت الأولى في رجب سنة خمس من النبوة.
وروى البخاري وغيره تفاصيل الهجرة الثانية ، وانظر: “الزرقاني على المواهب”.

2 ـ عندما عزم أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ على الهجرة من مكة إلى الحبشة ووصل إلى مكان يُسَمى بَِرْك الغِماد ـ بفتح الباء وكسرها مع سكون الراء، وبضم الغين وكسرها وفتحها ـ لقيه أحد مُشْركي مكة واسمه ابن الدَّغِنة ـ بفتح الدال وكسر الغين وتخفيف النون وبضم الدال والغين وتشديد النون ـ وقال له : مِثْلُك يا أبا بكر لا يخرج ، وعاد إلى مكة في جواره بعد أن أَعْلَنَ ذلك في قريش وأخذ أبو بكر يَعْبُدُ رَبَّه في مسجد فناء داره ، يصلِّي ويقرأ القرآن ، حتى أرغم الكفارُ ابن الدَّغِنة على منعِ أبي بكر من قراءة القرآن حتى لا يُفْتَن بِه الناس ، فرد أبو بكر عليه جواره ورضي بجوار الله ، كل ذلك والرسول يعلم وأقرَّه عليه . أخرجه البخاري .

3 ـ لمَّا عاد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الطائف وأراد دخول مكة قال له زيد بن حارثة : كيف تدخل عليهم وهم قد أخرجوك ؟ فطلب الجِوار من الأخْنَسِ بن شريق ، ومن سُهيل بن عمرو فامتنعا ورضي المُطعم بن عدي أن يُجِيرَه، وحفظ الرسول له هذا الجميل، على الرغم من أنه مُشرك، وذكر ابن الجوزي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يقول للمشركين “مَنْ يُؤويني حَتَّى أُبلِّغ رِسَالَةَ رَبِّي” ؟ .

4 ـ استأجر الرسول في الهجرة دليلاً مُشْرِكًا هو عبد الله بن أُرَيْقِط ولم يُعرف له إسلام حتى مات .

ولم يُنقل أن النبي أنكر على “أم سلمة” هجرتها وحدها من مكة إلى المدينة في حماية عثمان بن طلحة وكان مُشْرِكًا، وقد أثنت أم سلمة على أمانته وحُسْنِ صحبته.

5 ـ لمَّا قَدِمَ الرسول المدينةَ كَتَبَ مع اليهود كتابًا تَحَالَفَا فيه على حماية المدينة من العدو، وعلى التعاون على المصلحة العامة، وظَلَّ مُحترمًا هذا التحالف حتى نقضوه هم، على ما هو مذكور في كُتب السيرة.

6 ـ وافق الرسول على دخول “خُزاعة” معه في الحِلْف الذي أَبْرَمَه مع قريش عام الحُدَيْبِية، وكانت خزاعة على شِرْكِهَا، ولما شكت إليه نقض “بَكْر” العهد وهي حليفة قريش، صَمَّم على نُصْرةِ خُزَاعة، وكان فتح مكة نتيجة لذلك سَنة ثمانٍ من الهجرة.

7 ـ خرج “قزمان” مع الصحابة يوم غزوة أحد وهو مُشرك فقتل ثلاثة من بني عبد الدار حَمَلَة لواء المشركين، حتى قال الرسول “إن الله ليُؤَيِّد هذا الدِّين بالرَّجِلِ الفَاجِر” (نيل الأوطار جـ 7 ص 237) وقيل: إِنَّ قزمان كان من خَيْبَر، وقيل غيرُ ذلك…

8 ـ استعان الرسول بيهود بني قينقاع، ورَضَخَ لهم من الغَنيمة ـ والرضخ جزء من الغَنيمة لا يُساوي السَّهم المُقَرر للمجاهدين، قال النووي في شرح صحيح مسلم( ج12، ص198): أَخَذَ طائفة من العلماء بحديث عدم الاستعانة على إطلاقه، وأخذ الشافعي وآخرون بحديث صفوان، أي جواز الاستعانة به ـ المُشرك ـ إن كان حسن الرأي مع الحاجة إليه، وإلا فيُكره ، وإن أذن له وحضر يأخذ من الغنيمة بالإسهام عند الجمهور، وبالرضخ عند مالك.

9 ـ استعان الرسول بأسلحة صفوان بن أمية ـ وكان مُشْرِكًا حين خرج من مكة لغزو هوازن في حُنين سنة ثمانٍ من الهجرة، كما ذكره العيني في شرح البخاري ، وجاء فيه أنه خرج مع الرسول ثمانون من مُشْركي مكة بل أكثر من ذلك يطمعون في الغنائم.

10 ـ وإلى جانب ما كان في حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ استعان الخلفاء الراشدون ومَن بعدهم بغير المسلمين فيما يحتاجون إليه، وبخاصة في التنظيمات الجديدة كالدواوين والإدارات.

وإذا كان هناك نهي عن مُوالاة غير المسلمين وعن اتِّخاذ بِطانة منهم، فذلك فيما يضُر المسلمين، مع اتخاذ الحيْطة والحذر، ومع جعل القيادة والرئاسة في يد المسلمين، فذلك هو الوضع الطبيعي بين المُسْتعين والمُستعان به، وإلا كان الاستسلام الذي يتنافي مع قول الله تعالى : (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (سورة النساء: 141) على ما قاله بعض المفسرين .

لكن يناقض مع ما تقدم من جواز الاستعانة بغير المسلمين في الحرب وغيرها ما رواه مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال للرجل الذي تبعه عند خروجه من المدينة نحو بدر “ارجع فلن أستعين بمُشْرِك” ثم تبعه فقال له “أتُؤْمِنُ بالله وَرَسُولِه”؟ قال، نعم فقال له: “انْطَلِقْ” يعني تعال معنا، أخرجه مسلم . وفي رواية لأحمد: إِنَّا لا نَسْتَعِينُ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ .

وأجابَ العلماء بأن هذا الحديث مَنسوخ بالحوادث التي جاءت بعد ذلك في الاستعانة بهم، وهو الراجح ، ورأى جماعة عدم النسخ وقالوا: محل جواز الاستعانة هو عند الحاجة أو الضرورة، ولا تجوز في غير ذلك.

والرسول ما كان في بدر مُحتاجًا إلى مَن يساعده ؛ لأن خروجه لم يكن لحرب ، بل لاعتراض قافلة قريش ، ولذلك أخذ معه نحو ثلثمائة صحابي أو يزيدون قليلاً، ولو كان يريد الحرب لأخذ كثيرًا من آلاف المُسلمين الذين تركهم في المدينة.

من هنا نعلم أن استعانة الفرد أو الجماعة بغير المسلم للدفاع عنه لا مانع منها.

هذا، والخلاف في الاستعانة في الحرب بالمشركين إنَّما هو في الاستعانة بهم على المُشركين أما على المسلمين كالبغاة فلا يستعان بغير المسلم، كما ذكره الماوردي في “الأحكام السلطانية” وابن قدامة في “المغني” لكن لو قضت الضرورة التي لا يوجد فيها من يُعين من المسلمين فلا مانع؛ لأن الضرورات تُبيح المحظورات.

والله أعلم .