السؤال:

يقول الله تعالى في حق الكفار (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (سورة الحجر:3)،

فهلْ الأمل من صفات الكافرين، وكيف يذمه القرآن ولا يستغني عنه الإنسان؟

الجواب:

الأمل شيء مركوز في الطبيعة البَشَرية ولولاه ما تحرَّك الإنسان وما عمل، فهو يشيب ويهرم ويشيب ويهرم معه الأمل والحرص، كما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم. وهو ضد اليأس الذي يغري بالكسل والزهد في الحياة وبتمني الموت عند اشتداد الأزمات، يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ “واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العُسر يُسرًا” رواه الطبراني عن عبد الله بن جعفر “الجامع الكبير للسيوطي”.

يقول الطفرائي:
أعلل النفس بالآمــال أرقبها = ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

والدين لا يحارب هذا الشيء المطبوع في النفس ولكن يوجهه إلى الخير، والتوجيه يقوم على أمرين:

أولهما عدم الاكتفاء بالأمل بل لا بد معه من العمل من أجل الوصول إلى ما يؤمله الإنسان.

وثانيهما: أن يكون في الوسع وبالقدر المُستطاع.

وفي الأمر الأول جاء قول الله تعالى في حق أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى وفي حق المسلمين الذين يدعي كل فريق منهم بأن له الجنة (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا* وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (سورة النساء :123-124).

وفي المقام يقول الحسن البصري: ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وَقَرَ في القلب وصدقه العمل وإن قومًا خرجوا من الدنيا ولا عمل لهم وقالوا: نُحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل مع ملاحظة أن الجهد المبذول يكون متناسبًا مع درجة الأمل، فإن كان كبيرًا كان الجهد كبيرًا، والكبر جهد مع نية.

وروى مسلم أن ربيعة بن كعب الأسلمي خادم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له: أسألك مُرافقتك في الجنة، فقال عليه الصلاة والسلام “فَأَعِني عَلَى ذَلِكَ بِكَثْرَة السجود”.

والشاعر الحكيم يقول:

ومن يطلب الحسناء لم يُغْلها المهر = ولا بدَّ دون الشهد من إبر النحل

وفي الأمر الثاني ينظر إلى ما يؤمِّله الإنسان فهو إما أن يكون أمرًا دنيوياً وإما أن يكون أمرًا أخرويًا، أو بمعنى آخر إما أن يكون من أمور الدنيا أو من أمور الآخرة، ففي أمور الدنيا لا بد أن يكون الأمل محدودًا؛ لأن أجل الإنسان محدود لا يتسع لكل الآمال العريضة، وفي أمور الدين لا بد من سعة الأمل، مع مراعاة الوسع والطاقة في كلا الأمرين، وفي أمور الدنيا يجيء الحديث الذي رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خط لهم خطًّا مربعًا – أي رسم لهم شكل مربع – وخط وسطه خطًّا، وخط خطوطًا إلى جنب الخط، وخط خطًا خارجًا ثم قال: “أتدرون ما هذا” قلنا: الله ورسول أعلم. قال: “هذا الإنسان” للخَطِّ الذِي في الوسط “وهذا الأجل” للخط المحيط به “وهذه الأعراض” للخطوط التي حوله “تنهشه إن أخطأه هذا نهشه هذا، وذلك الأمل” ويعنى الخط الخارج. وهذا ما يَعنيه قول قائل: الآمال تخترمها الآجال.

وفي أمور الدِّين يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ “المُؤمِن لا يشبع من خير حتى يكون منتهاه الجنة” رواه الترمذي وابن حبان.

ويقول: “احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز” رواه مسلم.

ويقول: “إذا سألْتم الله الجنة فأعظِموا الرغبة واسألوا الفردوس الأعلى فإن الله لا يتعاظَمُه شيء” رواه البخاري ومُسلم.

من هذا نَرَى أن الأمل لا يكون مذْمومًا في كلِّ حال، بل الذَّمُّ يكون إذا لم يَصْحبه عمل ويكون لما هو دنيوي ولا يتناسب مع عُمر الإنسان، وإمكاناته وكثرت النصوص، والأقوال في ذمه ليقف عند الحد المعقول، أما مدحه فالنصوص فيه قليلة؛ لأن الطبيعة البشرية تدعوا إليه بقوة، وفي المقابل يجيء التنفير القوى ليقف في الحد الوسط المناسب، فلا يقضي عليه أبدًا ولا تطلق له الحرية أبدًا. وكل ذلك محله في الأمل في الخير المشروع، أما الأمل في الشر فذلك مذموم على كل حال، فإذا كانت الآية التي في السؤال تذم الأمل فلا تذمه لذاته بل لأنه يلهي عن الله وعن الآخرة. وسيعلم الكفار عاقبة ذلك يوم القيامة.

روى البزَّار في مسنده عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ “أربعة من الشقاء: جمود العين ـ أي عدم البكاء ـ وقساوة القلب وطول الأمل والحِرص على الدنيا”.

وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يقول: “نَجَا أوَّل هذه الأمة باليقين والزُّهد، ويَهْلك أخرها بالبخل والأمل” ذكره القرطبي في تفسيره “ج10 ص 2-3″، رواه ابن أبي الدنيا في “اليقين”، والخطيب، وهو في “الجامع الكبير للسيوطي”، وذكر كلامًا عن أبي الدرداء والحسن البصري في التحذير من الأمل الدنيوي العريض.