السؤال:

ما حد الغني الذي يمنع من استحقاق الزكاة. المرجو التطرق إلى مذاهب العلماء في هذه المسألة مع ذكر أدلتهم و سبب اختلافهم و ما هو مرجح .

الجواب:

من المتفق عليه بين الفقهاء: أنه لا يصرف في الزكاة من سهم الفقراء والمساكين إلى غنى، لأن الله تعالى جعلها للفقراء والمساكين، والغنى غير داخل فيهم. وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها (تؤخذ من أغنيائهم لترد على فقرائهم)، وقال: (لا تحل الصدقة لغنى) (رواه أبو داود والترمذي وحسنه). ولأن أخذ الغنى منها يمنع وصولها إلى أهلها، ويخل بحكمة وجوبها وهو إغناء الفقراء بها. كما قال ابن قدامة(المغنى المطبوع مع الشرح الكبير: 2/523).
ولكن من هو الغنى في هذا المقام وما حد الغنى هنا؟.
الغنى المانع من أخذ الزكاة
اختلف الفقهاء في حد الغنى المانع من أخذ الزكاة ما هو؟.
وإنما قلنا: الغنى المانع من أخذ الزكاة، لأن الغنى الموجب للزكاة قد اتفقوا على معناه في الجملة، وهو: ملك نصاب من الأموال النامية المعروفة بشروط خاصة. على حين اختلفوا في حد الغنى المانع(هناك غنى ثالث هو: الغنى الذي يمنع سؤال الغير، وهو دون الغنى المانع من أخذ الزكاة لتشديد الشرع في المسألة إلا لضرورة. وهم أيضًا قد اختلفوا فيه. ولعلنا نعرض له في مناسبة أخرى). على أقوال نذكرها فيما يلي:
مذهب الثوري وغيره:
فذهب سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق بن راهويه (معالم السنن: 2/226). إلى أن الغنى الذي يحرم معه أخذ الزكاة والصدقات هو ملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب، أي نصف ربع نصاب من النقود.
واستدلوا بحديث ابن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من سأل وله ما يغنيه، جاءت يوم القيامة خموش أو خدوش، أو كدوح (الخموش: هي الخدوش: يقال: خمشت المرأة وجهها، إذا خدشته بظفر أو حديدة أو نحوها، والكدوح: الآثار من الخدوش والعض ونحوه). في وجهه). فقيل: يا رسول الله، وما الغنى؟ قال: (خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب) (رواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة، وحسنه الترمذي، وضعفه غيره من الأئمة (انظر مختصر السنن للمنذري: 2/226، 227).
وهذا المذهب رواية عن أحمد: فقد فرقت الرواية بين ملك النقود وملك غيرها: فمن ملك من غير النقود ما لا يقوم بكفايته فليس بغنى وإن كثرت قيمته. ومن ملك من النقود خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب فهو غنى، لأن النقود هي الآلة المباشرة للأنفاق المعدة له دون غيرها، ولحديث ابن مسعود المذكور.
ولكن صيارفة الحديث ضعفوا حديث ابن مسعود هذا، وبينوا علة ضعفه(رواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة، وحسنه الترمذي، وضعفه غيره من الأئمة (انظر مختصر السنن للمنذري: 2/226، 227).
وعلى التسليم بصحة الحديث فقد تأوله بعض العلماء بأنه –صلى الله عليه وسلم- قال ذلك لقوم بأعيانهم كانوا يتجرون بالخمسين فتقوم بكفايتهم (انظر: الإنصاف من كتب الحنابلة: 2/221، 222).
وحمله آخرون على أنه -عليه أفضل الصلاة والسلام- قاله في وقت كانت الكفاية الغالبة فيه بخمسين (المصدر السابق).
وحمله غيرهم على المسألة، إذ هو وارد فيها، فمن ملك الخمسين حرمت عليه المسألة، ولكن لم يحرم عليه الأخذ (معالم السنن: 2/226). وهذا هو الأظهر.
قال الخطابي: قالوا: وليس في الحديث أن من ملك خمسين درهمًا لم تحل له الصدقة، إنما فيه أنه كره له المسألة فقط، وذلك أن المسألة إنما تكون مع الضرورة، ولا ضرورة بمن يجد ما يكفيه في وقته إلى المسألة (معالم السنن: 2/226).
مذهب الحنفية:
ويرى الحنفية أن الغنى الذي يحرم به أخذ الصدقة وقبولها أحد أمرين:
الأول: ملك نصاب زكوي من أي مال كان: كخمس من الإبل السائمة أو مائتي درهم أو عشرين دينارًا (قدرناها الآن بمبلغ 85 جرامًا من الذهب) لأن الشرع جعل الناس صنفين: غنيًا تؤخذ منه الزكاة، وفقيرًا ترد عليه، ولا يجوز أن يكون غنيًا فقيرًا في وقت واحد، كمن كان لديه نصاب تجب فيه الزكاة ولكن عنده كثرة من العيال يحتاجون إلى كثير من النفقات، لا يجوز أن يعطى ولا يحل له أن يأخذ من الزكاة.
وقال بعض الحنفية: بل المعتبر هو نصاب النقود من أي مال كان، سواء أبلغ نصابًا من جنسه أم لم يبلغه.
فمن ملك أربعين شاة -نصاب الغنم- لا تبلغ قيمتها نصابًا نقديًا (مائتي درهم) فهو فقير على هذا الرأي، فتجب عليه الزكاة، وتحل له الزكاة.
واستدل بعضهم لهذا الرأي بحديث: (من سأل وله ما يغنيه فقد سأل الناس إلحافًا. قيل: وما الذي يغنيه؟ قال: مائتا درهم).
والحديث ضعيف، ومع هذا فهو في الغنى المانع من السؤال. فهو لا يرد على مخالفي الحنفية الذين يجوزون أخذ الزكاة لمن عنده مائتا درهم لا تقوم بكفايته، لأن الغنى الذي يحرم السؤال لا يحرم الزكاة.
وبين علماء الحنفية نقاش طويل في اعتماد أي الرأيين. فليراجع في كتبهم (انظر على سبيل المثال: الدر المختار وحاشيته رد المحتار: 2/88 – 86، طبع استانبول. وأيضًا: مجمع الأنهر ودر المنتقى بهامشه ص 223).
الثاني: أن يملك من الأموال التي لا تجب فيها الزكاة ما يفضل عن حاجته، ويبلغ قيمة الفاضل مائتي درهم. كمن يقتنى من الثياب والفرش والأدوات والكتب والدور والحوانيت والدواب وغيرها، زيادة على ما يحتاج إليه، كل ذلك للابتذال والاستعمال لا للتجارة والإسامة، فإذا فضل من ذلك ما يبلغ قيمته مائتي درهم حرم عليه أخذ الصدقة. فمن كان له داران يستغني عن إحداهما، وهى إذا بيعت تساوى نصاب النقود فلا يجوز له أخذ الزكاة. وكذلك إذا كان عنده كتب ورثها مثلا أو أدوات حرفة، تساوى نصابًا، وليس هو في حاجة إليها، لأنه ليس من أهل العلم، ولا من أرباب تلك الحرفة.
قال الكاساني في “البدائع”: “ثم قدر الحاجة ما ذكره الكرخي في مختصره فقال: لا بأس بأن يعطى من الزكاة من له مسكن وما يتأثث به في منزله وخادم، وفرس، وسلاح، وثياب البدن، وكتب العلم إن كان من أهله، فإن كان له فضل عن ذلك ما يبلغ قيمته مائتي درهم حرم عليه أخذ الصدقة. لما روى عن الحسن البصري أنه قال: “كانوا يعطون الزكاة لمن يملك عشرة آلاف درهم من الفرس والسلاح والخادم والدار”.
وقوله: “كانوا” كناية عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا لأن هذه الأشياء من الحوائج اللازمة التي لابد للإنسان منها فكان وجودها وعدمها سواء (بدائع الصنائع للكاساني: 2/48).
وذكر في “الفتاوى” فيمن له حوانيت ودور للغلة لكن غلتها لا تكفيه وعياله: أنه فقير، ويحل له أخذ الصدقة عند محمد، وعند أبى يوسف: لا يحل. وكذا لو له كرم لا تكفيه غلته.
ولو عنده طعام للقوت يساوى 200 (مائتي درهم)، فإن كان كفاية شهر يحل، أو كفاية سنة، قيل: لا يحل، وقيل: يحل، لأنه مستحق الصرف إلى الكفاية، فيلحق بالعدم، وقد ادخر عليه الصلاة والسلام لنسائه قوت سنة.
ولو له كسوة الشتاء وهو لا يحتاج إليها في الصيف يحل.
وفى “التتارخانية” عن “الصغرى”: له دار يسكنها ولكن تزيد على حاجته، بأن لا يسكن الكل، يحل له أخذ الصدقة في الصحيح.
وفيها: سئل محمد عمن له أرض يزرعها أو حوانيت يستغلها أو دار غلتها ثلاثة آلاف، ولا تكفى لنفقته ونفقة عياله سنة، فأجاب: يحل له أخذ الزكاة، وإن كانت قيمتها تبلغ ألوفًا، وعليه الفتوى. وعندهما: لا يحل.
قال ابن عابدين: وسئلت عن المرأة: هل تصير غنية بالجهاز الذي تزف به إلى بيت زوجها؟ والذي يظهر مما مر: أن ما كان من أثاث المنزل وثياب البدن وأواني الاستعمال، مما لابد لأمثالها منه، فهو من الحاجة الأصلية، وما زاد على ذلك من الحلي والأواني والأمتعة التي يقصد بها الزينة، إذا بلغ نصابًا تصير به غنية.
قال: ثم رأيت في “التتارخانية” في باب صدقة الفطر: سئل الحسن بن على عمن لها جواهر ولآلئ تلبسها في الأعياد، وتتزين بها للزوج، وليست للتجارة: هل عليها صدقة الفطر؟ قال: نعم إذا بلغت نصابًا. وسئل عنها عمر الحافظ، فقال: لا يجب عليها شيء. قال ابن عابدين: وحاصله ثبوت الخلاف في أن الحلي غير النقدين من الحوائج الأصلية. والله تعالى أعلم (حاشية رد المحتار: 2/88 – 89، طبع استانبول).
مذهب مالك والشافعي وأحمد:
المذهب الأخير: أن الغنى هو ما تحصل به الكفاية، فإذا لم يكن محتاجًا حرمت عليه الصدقة، وإن لم يملك شيئًا، وإن كان محتاجًا حلت له الصدقة وإن ملك نصابًا بل نصبًا، والأثمان وغيرها في هذا سواء. وهو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد في الرواية الراجحة عنه. قال الخطابي: قال مالك والشافعي: لا حد للغنى معلوم، وإنما يعتبر حال الإنسان بوسعه وطاقته فإذا اكتفى بما عنده حرمت عليه الصدقة، وإذا احتاج حلت له (معالم السنن: 2/227).
قال الشافعي: قد يكون الرجل بالدرهم غنيًا، مع كسب، ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه، وكثرة عياله (رواه مسلم وأبو داود والنسائي -انظر الحديث (1575) جـ2 مختصر المنذري لسنن أبى داود وسيأتي الحديث كاملاً في فصل “الغارمون”).
وهذا المذهب هو الذي تعضده الشريعة بنصوصها وروحها. كما تؤيده اللغة واستعمالاتها. ومما يدل لهذا المذهب:
( أ ) ما جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لقبيصة بن المخارق الذي جاء يسأله في حمالة تحملها: (لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة: رجل أصابته فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش أو سدادًا من عيش) . الحديث (رواه مسلم وأبو داود والنسائي -انظر الحديث (1575) جـ2 مختصر المنذري لسنن أبى داود وسيأتي الحديث كاملاً في فصل “الغارمون”)، فقد أباح له المسألة حتى يجد القوام أو السداد من العيش.
( ب ) أن الحاجة هي الفقر، والغنى ضدها، فمن كان محتاجًا فهو فقير يدخل في عموم النص، ومن استغنى دخل في عموم النصوص المحرمة. والدليل على أن الفقر هو الحاجة، قول الله تعالى: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله) (فاطر: 15). -أي المحتاجون إليه، وقول الشاعر: “وإني إلى معروفها لفقير”- أي لمحتاج.
وبناء على ذلك يتفرع أمران:
أولاً: أن من كان له مال يكفيه -سواء أكان ذلك من مال زكوي أو غير زكوي، أو من كسبه وعمله أو من أجرة عقارات أو غير ذلك- فليس له الأخذ من الزكاة. ويعتبر وجود الكفاية له ولعائلته ومن يعوله، لأن كل واحد منهم مقصود دفع حاجته، فيعتبر له ما يعتبر للمنفرد. وجمهور العمال والموظفين من هذا الصنف الذي يعد غنيًا بكسبه المتجدد، لا بماله وثروته المدخرة. فلو كان من لا يملك نصابًا فقيرًا، لكان كل هؤلاء يستحقون الزكاة. وهذا غير مقبول.
ثانيًا: أن من ملك من أموال الزكاة نصابًا -أو أكثر- لا تتم به كفايته لنفسه ومن يعوله، فله الأخذ من الزكاة، لأنه ليس بغنى.
فمن له عروض تجارة قيمتها ألف دينار، أو أكثر، ولكن لا يحصل له من ربحها قدر كفايته -لكساد السوق، أو كثرة العيال أو نحوها- يجوز له الأخذ من الزكاة.
ومن كان له مواش تبلغ نصابًا، أو له زرع يبلغ خمسة أوسق، لا يقوم ذلك بجميع كفايته، يجوز له الأخذ من الزكاة ولا يمنع ذلك وجوبها عليه، لأن الغنى الموجب للزكاة هو ملك النصاب بشروط. أما الغنى المانع من أخذها فهو ما تحصل به الكفاية ولا تلازم بينهما (انظر شرح غاية المنتهى: 2/135).
قال الميموني: ذاكرت أبا عبد الله (أحمد بن حنبل) فقلت: قد تكون للرجل الإبل والغنم تجب فيها الزكاة وهو فقير، ويكون له أربعون شاة، وتكون له الضيعة (المزرعة) لا تكفيه. أفيعطى من الزكاة؟ قال: نعم … وذكر قول عمر: أعطوهم وإن راحت عليهم من الإبل كذا وكذا (المغنى: 2/664).
وقال أحمد -في رواية محمد بن الحكم- إذا كان له عقار، أو ضيعة يستغلها -عشرة آلاف أو أكثر ولا تكفيه- يأخذ من الزكاة (شرح الغاية: 2/135).
وقيل له: يكون للرجل الزرع القائم وليس عنده ما يحصده، أيأخذ من الزكاة؟ قال: نعم (المصدر السابق).
قال في شرح الغاية: “من له كتب يحتاجها للحفظ والمطالعة، أو لها حلى للبس، أو لكراء تحتاج إليه، فلا يمنعها ذلك من أخذ الزكاة (شرح الغاية: 2/135).