السؤال:

في بعض الكتب نقرأ عبارة من فعل كذا وجبت عليه كفارة، كما نقرأ عبارة: من فعل كذا وجبت عليه فِدية، فما الفرق بين الكفارة والفدية، وفي أي المواضع يكون كل منهما؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد

يقول فضيلة الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر ـ رحمه الله ـ في كتابه أحسن الكلام في الفتوى والأحكام:

أولاً : الكفارة مأخوذة من الكُفر وهو الستر؛ لأنها تستر الذنب، وهي نوعان مُغَلَّظة ومُخَفَّفة، والمُخَفَّفة تُسمى فِدْيَة، والمُراد بستر الذَّنْبِ مَحْوَه من صُحُفِ الْمَلائِكَة بِناء على أن الكفارات جوابر للخلل الواقع كسجود السهو الجابر لخلل الصلاة، وهي عبادة تفتقر إلى نية.
وقيل: المراد بستر الذنب تخفيفه الإثم ومواراته عن الملائكة مع بقائه في صحفهم بناء على أن الكفارات زواجر عن العود لمثل الذنب كالحدود والتعازير، والذي انتهى إليه كلامهم أنها جوابر في حق المسلم زواجر في حق الكافر .
والكفارات أربعة: كفارة الظهار وكفارةُ القتل وكفارةُ الجِمَاع في نهار رمضان([1]) وكفارةُ اليَمِين. والخصال في الثلاثة الأولى مُرتبة، والرابعة مُرتبة مُخيرة ، وذلك على النحو التالي :
الواجب في الكفارات الثلاثة إِعْتَاق رقبة مُؤْمِنة، قال تعالى في الظِّهار: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكَ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا…) (سورة المجادلة : 3،4) وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كفارة الجِمَاع في نهارِ رمضان، لرجل وَقَعَ منه ذلك : “هل تَجِدُ ما تعْتِقُ رقبة” قال: لا، قال: “فهل تستطيع أن تصوم شهرين مُتَتَابعين” قال: لا، قال: “فهل تجد ما تُطْعِم به ستِّين مِسْكِينًا” قال لا، ثم جلس فأتى النبي بعِرق فيه تمر فقال: “تَصَدَّقْ بهذا” قال: علي أفقر مِنَّا؟ فو الله ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه مِنَّا، فضحك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى بَدَتْ أنيابه ثم قال: “اذهب فأَطْعِمه أَهْلَكَ”. رواه الشيخان، وفي رواية لأبي داود، فأتى بعِرق فيه تمر قَدْر خمسة عشر صاعًا، والعِرق مكْتَل بنسج من خوص النَّخل يَسَع خمسة عشر صاعًا، بخلاف الفرق ويقال له الزنبيل فإنه يسع ستة عشر رطلاً، واللابتان هما الحرتان، والحرة هي الأرض ذات الحجارة السود. وهما حدود الحرم النبوي .
فإن عجز عن إعتاق الرَّقبة وجب صيام شهرين متتابعين ، بدليل الآية والحديث السابقين، وينقطع التتابع بالإفطار ولو بعُذر، كَسَفَر ومرض فيجب الاستئناف ولو كان الإفطار في اليوم الأخير، ولا ينقطع بحيْض أو نفَاس، وذلك في كفارة المرأة عن القتل؛ لأنه هو الذي يتصور منها، بخلاف الظِّهار والجِماع فلا كفارة فيهما عليها([2]) وأما كفارة اليَمين فالواجب فيها ـ عند العَجز عن الخِصال الثلاثة فيها ـ ثلاثة أيام ولا يُشترط فيها التتابع. ومثل الحيْض والنفاس الجنون والإغماء المُسْتغرق، أما تخلل عيد الفطر أو النحر فموجب لاستئناف الشهرين .
فإن عجز عن صوم الشهرين وجب إطعام ستين مسكينًا، لكلِّ مسكين مُدٌّ، بدليل الآية والحديث السابقين، ولا يجوز ذلك في كفارة القتل، اقتصارًا على الوارد فيه وهو العِتْق ثم الصوم. ولا يجوز عند الشافعية حَمْلُ الْمُطْلَق وهو آية القتل الخالية عن ذكر الإطعام على الْمُقَيَّد وهو آية الظِّهار وحديث الوِقَاع في رمضان المذكور فيهما الإطعام؛ لأن هذا الحمل يكون في الأوصاف أي التوابع كالإيمان الذي هو وصف الرَّقبة، ولا يكون في الأصول أي الخصال المستقبلة كالإطعام، فإنه خصلة مستقلة من خصال الكفارة، كما حُمِلَ مُطْلَق اليد في التَّيمم على تقييدها بالمَرافق في الوضوء، ولم يُحْمَل تركُ الرأس والرِّجْلَيْنِ فيه على ذكرهما في الوضوء. والمَرافق وإن كانت جزءًا لا وصفًا فهي تابع لكلٍّ والوصف تابع للأصل([3]) والواجب في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين من غالب قوت البلد، لكلٍّ منهم مُدّ، أو كِسْوَتهم مما يُعتاد لبسه، ومنه القميص والإزار والطَّرْحَة والْفُوطَة التي يُجَفف بها، أو تحرير رقبة مؤمنة، فإن عجز عن ذلك وجب صيام ثلاثة أيام ولو مُتَفَرِّقة .
ولو عجز عن خصال الكفارة استقرت في ذمته، فإذا قدر على خصلة فعلها.

ثانيًا ـ الفدية وهي ثلاثة أنواع :
1 ـ مُدّ، وذلك للإفطار في رمضان لسبب حَمْلٍ أو رضاع، لقوله تعالى: (وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين) البقرة 184  قال ابن عباس: إنها نُسِخَت إلا في حق الحامل والمرضع كما رواه البيهقي. وذلك حيث كان ابتداء الإسلام يخير القادر بين الصوم والفِدية من غير قضاء، لمشقة الصوم عليهم بعدم اعتيادهم له، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ). البقرة 186
وكذلك تكون الفدية مُدًّا لإفطار الكبير والمريض الذي لا يُرجى برؤه، حيث يكون العجز أو المشقة في الصيام، وأيضًا تكون الفِدية في تأخير قضاء صوم يوم من رمضان بلا عُذر إلى رمضان آخر، وذلك عند الشافعية لخبر ضعيف وارد في ذلك، لكن رُوي موقوفًا بإسناد صحيح وأفتى به ستة من الصحابة ولا مُخالف لهم([4]) وكذلك تكون هذه الفِدية في إزالة شَعرة واحدة أو بعضها، وفي تقليم ظُفر واحد أو بعضه في الإحرام بحج أو عمرة، وفي ترك مبيت ليلة من ليالي مِنى بلا عذر، وفي ترك رمي حصاة من الجمار، وقطع شيء من نبات الحرم أو صيده. وكذلك في موت من عليه صيام يوم ، وفي الإفطار من صيام يوم نذره .
2 ـ مُدَّان:وذلك في إزالة شعرتين أو ظُفرين في الإحرام. ومحل إيجاب المُدِّ أو المُدين إذا اختار الدم، فإن اختار الطعام ففي واحد منهما صاع وفي اثنين صاعان، وإن اختار الصوم ففي واحد صوم يوم وفي اثنين صوم يومين. قال تعالى  “فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ “.  البقرة 196 .
وكذلك يكون المُدان في قتل صيد في الحرم أو الإحرام وقطع شجرة، كذلك إذا كانت قيمتها قيمة المدين، وأيضًا يكون المُدان في تقليم ظُفرين في الإحرام، وفي ترك مبيت ليلتين من ليالي مِنى، أو ترك الرمي لحصاتين من الجِمار .
3 ـ الدم:أي الهدي، وذلك لقتل الصيد في الحرم أو الإحرام، والوطء بعد إفساد الحج أو التحلل الأول، وإزالة شعرات دفعة واحدة، وتقليم أظفار دفعة واحدة، والتطيُّب ولبس المخيط أو المحيط على خلاف تفسيره. وترك الإحرام من الميقات، وترك طواف الوداع([5]) والمبيت ليالي مِنى، ورمي الجمار، وترك المبيت بمُزْدَلِفَة، وكذلك يكون الدم في قطع شجرة في الحرم أو الإحرام ـ في الكبيرة بقرة وفي الصغيرة شاة ـ وفي التمتع والقران وفوات النُّسُك والإحصار عنه وإفساده بوطء ففيه بدَنة. وفي دهن الشعر للمحرم .

[1]- الإفطار المُتَعمد في رمضان فيه هذه الكفارة المُغلظة حتى لو كان بغير الجِماع عند الأحناف والمالكية. .

[2]- مذهب الجمهور أن الرجل والمرأة سواء في كفارة الجِماع ، إلا إن أكرهت المرأة عليه

[3]-  وكذلك عند مالك وأبي حنيفة وأحمد. وعند بعض فقهاء مذهبي الشافعي وأحمد أنه قياسًا على الظهار يجوز الإطعام عند العجز عن الصوم، وفي فتاوى ابن تيمية المجلد 34 ذكر الإطعام في مواضع (ص 161، 170) ولم يذكر في بعضها الآخر ( ص 146، 159) انظر: التشريع الجنائي لعبد القادر عودة ج 2 ص 184 فقرة 219 نقلاً : عن شرح الدردير ج 4 ص 254، البحر الرائق ج 8 ص 329 والمهذب ج 2 ص 234 والمغنى ج 10 ص 41.

[4]- عند الأحناف لا فدية في التأخير حتى يدخل رمضان ـ سواء كان لعُذر أو لغيره.

[5]-طواف الوداع سُنة عند المالكية لا شيء في تركه