السؤال:

شاع بين الناس استعمال كلمة الضَّمِير كأنَّهَا ترادف الدِّين والإله، فهل من سبب لذلك، وما مَوْقِف الدِّين منه؟

الجواب:

كثُر استعمال كلمة الضمير أخيرًا، وشاعت أكثر ما شاعت في الأوساط الغربية، كمظهر من مظاهر الرُّوح العامة للنهضة الأوروبية التي اتجهت بفكرها وسلوكها بعيدًا عن الدِّين، حيث جعلوا الإحساس الداخلي بديلاً عنه، فهو يتولى التمييز بين الخير والشر، ويدعو إلى الأول وينهى عن الثاني، وشاع استعمال هذا اللفظ أيضًا في الشرق تقليدًا للغرب.
وهو وإن لم يرد كثيرًا في الاستعمال القديم بهذا المعنى فقد تحدَّث علماء الأخلاق كالغزالي وابن مسكوَيْه عن مُهمته بعنوان آخر، ففي إحياء علوم الدين عند شرح الغزالي عجائب القلب قال: إنها نَفْسُ الإنسان التي تُوصف بالمُطْمَئِنَّة إذا سَكَنَتْ تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات، والتي تُوصف باللَّوامة إذا لم يتم سكونها واعترضت على النفس الشهوانية، كما تُوصف بالأمَّارة بالسوء إن تركت الاعتراض وأطاعت الشهوات، كما تحدث عنها في كتاب المراقبة والمحاسبة ضمن كتاب “الإحياء” وعبَّر عنها مرة بالنور الإلهي وأخرى بالمعرفة، والهادية للمرء في أعماله.
إن هناك حديثًا يدُل على وجود هذه القوة الباطنة وهو حديث وَابِصَة ابن معبد الذي سأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن البِر والإثم فقال له: “يا وابصة، استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النَّفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حَاكَ في القلب وتَرَدَّد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك” رواه أحمد، وروى مسلم قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ “البر حُسْنُ الْخُلُق، والإثم ما حَاكَ في صدرك وكرهت أن يطَّلِع عليه الناس” وروى البغوي في مصابيح السُّنة “من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مُؤمن”.
والغزالي يرى أن نشاط الضمير يظهر في ثلاثة مواطن، الأول قبل الشروع في العمل، بالنظر إلى الباعث عليه، فإن كان لله أمضاه، وإن كان لغيره انكفَّ عنه، والثاني عند الشروع في العمل، بقضاء حق الله فيه، وإنجازه على أكمل ما يُمكن، والثالث بعد العمل، وذلك بمحاسبة النفس على ما وقع منها.
ومهما يكن من شيء فإن الضمير بالمعنى الذي يريده فلاسفة الغرب تحدَّث عنه علماء الإسلام، لكنهم تناولوا بالحديث آثاره وخواصه، أما ماهيته فقد أحجم الغزالي عن تحديدها؛ لأنه ليست هناك فائدة عملية من معرفة كُنهها، وذلك من اختصاص الله سبحانه.

وحديث الغرب عنها كان لمعرفة هل هي قوة فِطْرية أو كَسْبية، ولهم في الإجابة ثلاثة مذاهب يمكن الرجوع إلى معرفتها في كتابنا “دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة”.
وليكن معلومًا أن الضمير إذا كان قُوة فِطْرية فللتربية دخلٌ كبير في نموها وكمالها، وأعظم ما يُرَبيها هو الدين، قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (سورة الشمس : 7-10) فالتعبير بالتسوية وإلهام الفجور والتقوى إشارة إلى عمل الله فيها، والتعبير بالتزكية والتدسية إشارة إلى عمل الإنسان.
إن التربية البشرية البعيدة عن هدي الدِّين لا تضمن للضمير استقامته في أداء مهمته، فالبشر يُخطئون ويصيبون . ففي القديم رضي قوم لوط عن فَعْلَتهم، وفي الحديث رأت بعض الحكومات عدم اعتبار هذه الرذيلة شذوذًا، و أجمعت الأديان على بشاعة الظلم والقتل والاغتيال، فبررته الصهيونية والاستعمار.
أما التربية الدينية فتقوم على مراقبة الله قبل العمل وفي أثنائه وبعده، وأثرها هو تقوى الله، وبتقوى الله تكون السعادة الشاملة في الدنيا والآخرة مع مراعاة أن التربية على هدي الدين لا تضمن العِصْمَة من الخطأ، ولكن ترشد المُخطئ إلى التوبة والرجوع إلى الاستقامة، “انظر كتابنا المذكور”.