السؤال:

إن الشركة (ع) كانت قد اشترت من شركة مصدِّرة للنفط كمية من البترول المكرَّر في 29/1/1979 بثمن قدره تسعة ملايين ونيف من الدولارات الأمريكية.

ثم جاء بنك إسلامي هو والشركة (ع) ذاتها، فاشتريا معًا وفي التاريخ المذكور نفسه من الشركة البائعة ذاتها نفس الكمية المَبيعة من قِبل للشركة (ع)، وذلك بعقد وصف في الاتفاقيّة بأنه (شِراء تكميليٌّ)!.

ثم باع البنك الإسلامي البضاعة نفسها وبالثمن نفسه مُضافًا إليه زيادة خمسة في المائة باسم فرق سعر، وذلك بعقد لاحق بتاريخ 3/2/1979م، ووُصِفَت الشركة (ع) في هذا العقد بأنها (المُستفيد)، على أن تتسلَّم هي كمية البترول ذاتها من شركة النفط المصدِّرة على شحنات، دون أن يتحمَّل البنك المعتَبر بائعًا في هذا العقد أيّة مسؤولية بخصوص المواصفات أو المخاطر المتعلِّقة بالشحن والتسليم، مع تقسيط الثمن عليها – أي: على الشركة (ع) على ستة أقساط ربع سنويّة خلال ثمانية عشر شهرًا. هذا هو الهيكل الإجمالي لهذه الاتفاقيّة، وفي خلاله شروط وتفاصيل وترتيبات محدَّدة.

الجواب:

الرأي في هذه الاتفاقية:
هذه الاتفاقيّة تركيبة عَقديّة عَجيبة، لا تنطبق على الشرع ولا القانون ولا العقل، كأنما هي غِطاء مصطنَع لحقيقة تعاقديّة أخرى بين الطرفين.

فيبدو للمتأمِّل من خلال تركيبة هذه الاتفاقيّة أن الشركة (ع) كانت قد اشترت من تلقاء نفسها كمية البترول المذكورة من الشركة المصدِّرة للنفط بالثمن المعيَّن (تسعة ملايين دولار أميريكي)، ثم وجدت نفسها عاجزة عن أداء الثمن، نقدًا، ولم تقبل الشركة البائعة تسليمها البترول لتبيعه توزيعًا، وتُوَفِّيَ ثمنه من مَبيعاتِها على دفعات، فلجأت إلى بنك إسلامي لينجدَها وينقذ الموقف، ويحلَّ المشكلة بتقديم الثمن اللازم.

والطريق المعتاد تجاريًّا ومصرفيًّا في مثل هذه الحال، أن تأخذ الشركة المشترية قرضًا تمويليًّا للصفقة المذكورة، أو يدفع عنها للبائع ثمن كل شحنة ويسجلُه البنك دينًا على الشركة (ع) المشترية، تؤدِّيه أقساطًا إلى آجال يُتَّفق عليها مع فوائدَ محدَّدةٍ.

لكن البنك الإسلامي لا يستطيع أن يُقرض قروضًا بفائدة، وفي الوقت نفسه لا يريد أن يموِّل شركة تجاريّة بهذا المبلغ الضّخم دون ربح. ويبدو أن الوقت كان ضيقًا، والحاجة قائمة إلى إنقاذ موقف الشركة (ع) ببتٍّ سريع، فلم يُمكن تركيز الموضوع على أساس صحيح سليم شرعًا وقانونًا، فسلقت هذه الاتفاقية العجيبة سلقًا سريعًا بصورة لا تنطبق على قاعدة!! كما يتضح من الملاحظات:

1 ـ بُنيت الاتفاقيّة على أساس أن يقوم البنك والشركة (ع) معًا كطرف واحد، فيشتريَا من الشركة ما سبق أن باعته إلى أحدهما، واعتبر هذا (شراء تكميليًّا) للبضاعة ذاتها التي سبق أن اشترتها وهو الشركة (ع) التي سُمِّيَت في هذا الشراء المُجَدَّد (مستفيدًا).

وفي الوقت نفسه اعتُبر البنك بائعًا لها، مع أنها هي المشتري الأصلي الأول للبضاعة نفسها من المصدر نفسه.
كل هذا الالتواء غير المعقول في اللف والدوران؛ لكي يدفع البنك عنها الثمن نقدًا عند كل شحنة، ويستردَّه منها مُقَسطًا بربح.

ووجه الخطأ الفاحش في هذه العملية هو أن الشركة المصدِّرة للبترول بعد أن باعت سابقًا هذه الكَمية من البترول لم تبق مالكة لها، وأصبح حقّ التصرُّف فيها للمشتري، وهو الشركة (ع)، إن كانت لا تستحِقُّ تَسَلُّمها قبل دفع الثمن، فإن الملكيّة وحقَّ التصرُّف شيء، وأداء الثمن شيء آخر.
فتسليم المَبيع والثمن هما تنفيذ لعقد البيع وليسا إنشاءً له، والمشتري يملك المَبيع بمجرّد العقد، وهذا في الشّرع والقانون معًا.

والشركة (ع)، بعد أن أصبحت مالكة للمَبيع بشرائها الأول، كيف يصح أن تعود فتشتريَه ثانية هي والبنك من بائعه نفسه؟

إن تحديد عقد سابق بالشروط نفسها يقع باطلًا؛ لأنه عبث غير مُفيد، ومن شرائط انعقاد العقد أن يكون مُفيدًا ومُنتِجًا نتيجة لم تكن حاصلة قبله (ينظر المدخل الفقهي العام ج 1 نظرية العقود ـ بحث شرائط الانعقاد)، فلو جَدَّد الزوجان مثلاً عقد زواجهما دون سبق طلاق بائن لا ينعقد العقد الجديد؛ لأنه عبث، وإن من القواعد الأصوليّة أنه “لا عبث في التشريع” كما صرح بذلك الإمام أبو إسحاق الشاطبي في كتابه “المو똀افقات في أصول الشريعة”. وكذا لو جدَّد المُتبايعان عقد البيع بعد تمام انعقاده صحيحًا، فإنه لا ينعقد الثاني، وهكذا سائر العقود.

وقد عبر الفقهاء عن هذه القاعدة ببيت من الشعر هو:
وكُلُّ عَقْدٍ بَعْدَ عَقْدٍ جُدِّدَا = فأبْطِلِ الثّاني لأنَّه سُدَى

فبأي وجه أو قاعدة يمكن أن يبيع البنك من الشركة (ع) بضاعة سبق أن اشترتها هي من مصدرِها، ويصبح البنك بائعًا جديدًا لها؛ استنادًا إلى هذا الشراء الثاني المصطنَع (الباطل) من البائع السابق نفسه؟

2 ـ هذا، وقد كان الطريق السليم الموصِّل إلى المقصود بصورة مقبولة في الشريعة والقانون سهلاً جِدًّا، وذلك بأن يتمَّ التفاهُم بين البنك والشركة (ع) والبائِع المصدِّر حين رأت الشركة نفسها عاجزة عن الأداء النقدي لثمن البترول ولجأت إلى البنك لإنقاذ الموقف ، فيتفقوا على أن يتفاسخَ البائِع والمشتري البيع السابق بينهما، ثم يُدخل البنك مُشتريًا جَديدًا للبضاعة التي عادت بالفسخ إلى ملكيّة بائعها. وبذلك يحلّ البنكُ محلّ الشركة (ع)، بناء على رغبتها في ملكيّة البضاعة ذاتها، ثم يقوم البنك ببيعها بعد أن أصبح مالِكًا لها من الشركة (ع) بالثمن المقسّط وبربح يُتّفق عليه.

وهذه هي الطريقة التي تمشي الآن عليها البنوك الإسلامية المحليّة، وهي المسمّاة باسم “المُرابحة بطريقة الأمر بالشراء” .

هذا، وفي الحالات العادية المُبتدأة – أي: التي لا يوجَد فيها شراء سابق يراد إلغاؤه بالفسخ – يكون الأمر أسهل، حيث يختار الآمر بالشراء المُحتاج إلى البِضاعة ما يُريد شراءه، ويُكلِّف البنك أن يشتريَه هو نقدًا، ثم يَبيعه منه مقسّطًا أو مؤجَّلًا بربح محدَّد.