السؤال:

نحن مُضطرون إلى قراءة الصُّحف والمجلات للاطلاع على الأخبار وزيادة المعلومات، ولكن نجد فيها أمورًا خارجة أحيانًا عن الدِّين والذَّوق، كالصور الفاضحة والإعلانات عن سَهَرات راقصة، وترويجَ أفكارٍ شاذةٍ وغيرِ ذلك، فهل نُقاطع الصحف أو ماذا نفعل، وهل من الدين نشر هذه الأشياء؟

الجواب:

يطلق الكتَّابُ على الصحافة اسمَ السلطة الرابعة ـ بعد التشريعية والتنفيذية والقضائية ـ لقوة أثرها في توجيه الشعب وفي إصدار الأحكام على الأشخاص والتصرفات، وتكوين الرأي العام، وهي تقوم على الإعلام والإخبار، وعلى الرأي والمعلومات المتنوعة.
والصحافة بهذا المفهوم لم يُعْرَفْ أَولُ نشأتِها، فقيل: إن أقدم جريدة هي “كين بان” الصينية التِّي صدرتْ عام 911 قبل الميلاد، وقيل: هي “الوقائع الرسمية” الرومانية التي صدرت عام 58 قبل الميلاد، وكان مؤسسُها هو “يوليوس قيصر” ثم دخلتْ الصحافة عصرها الحديث بعد اختراع الطِّباعة، فظهَرت أوَّلُ صحيفة باسم “لاغازيت” وكانت أسبوعيةً مِنْ ثمان صفحات لنشر أخبار فرنسا وأوروبا، ثم انتشرت في العالم. “جريدة القبس 9/2/1975م”.
ويذكر الدكتور خليل صابات أن أول صحيفة في العالم العربي ظهرت هي: الوقائع المصرية بالقاهرة سنة 1828م، وبريد الجزائر بالجزائر سنة 1830 م، وحديقة الأخبار ببيروت سنة 1858 م، والرائد التونسي بتونس سنة 1860م، وسورية بدمشق سنة 1865 م، وطرابلس غرب بطرابلس سنة 1866م، وزوراء ببغداد سنة 1869م، وصنعاء بصنعاء سنة 1877م، وحجاز بمكة المكرمة سنة 1882م، والمغرب بطنجة سنة 1889م، والغازيتة السودانية بالخرطوم سنة 1899م، وكان صدور العدد الأول من الوقائع المصرية في يوم الثلاثاء 24 أو 25 من جمادى الأولى سنة 1244 هـ “3 من ديسمبر سنة 1828م”. “الأهرام 4/12/1978، 7/7/1984”.

وكانت الأخبار في الجاهلية تُنْشَرُ عن طريق الشعراء والرُّواة والأسواق كعكاظ ومجنة وذي المجاز، وهي تحمل الصدق والكذب في المدح والهجاء، وجاء في ذلك قول الله تعالى: (والشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهم الغَاوُون . أَلَمْ تَرَ أَنَّهُم فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ . وَأَنَّهُم يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ . إلا الذينَ آمنُوا وعَمِلُوا الصالِحَاتِ وذَكَرُوا اللَه كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وسيَعْلَمُ الذينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (سورة الشعراء :224-227).
وتعدَّدت وسائل الإعلام وتطوَّرت، وكثر منها في هذه الأيام الصحافة بأنواعها المختلفة، والإذاعة المسْموعة والمرئية، والكتب والنشرات وما إليها، وهي ـ كما قلنا ـ تقوم على نشر الأخبار وعلى التعليق عليها أو على أشياء أخرى، وعلى نشر الأفكار ومناقشتها للتأييد أو الرفض إلى غير ذلك من الموضوعات، والواجب عليها الالتزام بالقيم والآداب والقوانين التي تضمَنُ لها عدمَ الانحراف، وتضمن نجاحها في رسالتها، ومن ذلك:
1- التزام الصدق في نقل الأخبار، بالتحرِّي عنها والتَّثَبُّتِ منها، وعدمِ التَّعَجُّلِ في النشر للفوز بالسَّبْق الصحفي، وأدلة ذلك مذكورة في موضوع الإشاعة.
2- نشر المعلومات المفيدة التي تحكمها القِيَمُ الدينية والقوانين الصحيحة، والبعد عن ترويج الأفكار الشاذة والمنحرفة.
3- الحَيْدة في التعليق ونقد الآراء وعدم التحيُّز والتعصب والخروج بذلك عن حدود الآداب.
4- البعد عن نَقْد الثوابت من قواعد الدين؛ لأن ذلك يؤدِّي إلى رفْضها وبلبلة الأفكار حولها، والنصوص في ذلك كثيرة.
5- إذا كانت القوانين تحْمي حريةَ الرأي والصحافة فليس معنى ذلك أنها حرية مطلقة، ولكن هي مُقيّدة بقيود الثوابت من شعائر الدِّين والأخلاق والأعراف الصحيحة.
6- الرقابة الشديدة على الصحافة ووسائل الإعلام لضمان عدم انحرافها، ووضع العقوبات الرادعة على المخالفات، وبخاصة على الإشاعات والأخبار الخطيرة في الحرب والسياسة مثلًا.
7- العناية الشديدة بالناحية الدينية تحريرًا ونشرًا ورقابةً وجَزَاءً، فللدِّين أثره الذي لا يُنَافَسُ في تصحيحِ الفكر وتقويمِ السلوك.
وعَلَى مَنْ يَقرأون الصحفَ ألَّا يُسَارِعُوا في تصديق أخبارها الفردية التي لم تصدر عن جهة موثوقٍ بها، والمبادرة بالرد على الأكاذيب من الأخبار والأفكار، ولا أقول بمقاطعتها تمامًا، فلا غني عنها.
وبالجملة فإن رسالة الصحافة والإذاعة ووسائل الإعلام الأخرى تقوم على أمورٍ أربعة أساسية: نظافة النشر، ويقظة التلقِّي، وصدق الرَّقابة، وعدالة الجزاء. وهي كلها متضامنة في تحقيق رسالتها، والتقصير في واحد منها يؤدِّي إلى انحرافها الذي يَجْرُفُ أمامه الْمُتَّهَمَ والبريءَ (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُم خَاصَّة) (سورة الأنفال:25).