السؤال:

مالحكم الشرعي لاتفاقية بعض البنوك الإسلاميّة مع بنك الإنماء الصناعي؟

الجواب:

في هذه الاتفاقيّة مع بنك الإنماء الصناعيّ، فإن البنك الإسلامي يعتمد فيها بنكًا صناعيًّا لأجل المساهمة عن طريقه هو؛ في شركات المَشاريع الإنمائيّة من القطاع الخاص أو المختلط.
فالبنك الصناعي ـ بمقتضَى هذه الاتفاقيّة ـ يختار المشروعات التي يدخل هو فيها مموِّلًا بقرض، أو مشارِكًا في حِصّة من رأس مالها، ويقترح على البنك الإسلامي (بتقرير تقويمي يقدِّمه إليه عن كلٍّ من مشاريع هذه الشركات ) أن يُسهِم في المشروع بشراء كميّة من أسهمه، دعمًا له، واستثمارًا فيه، والبنك الإسلامي يُوافق أو يرفض، فإذا وافق يساهم بالقدر المُقترَح عليه من الأسهم، أو بأقل منه، وحينئذٍ يكون البنك المذكور نائبًا عن البنك الإسلامي في اكتتابه بالأسهم لدى شركة المشروع، ويتلقّى منه قيمتها جملة أو أقساطًا بحسب الحال، ويقوم بتحويل مبالغها إلى شركة المشروع، كما ينوب عنه، فيمثله في مجالس إدارة الشركات التي يسهِم فيها، وفي تحصيل أرباح أسهمه فيها، ويقيِّد له هذه الأرباح في حسابه لديه، وفقًا للتعليمات التي يتلقاها منه.
هذا جوهر الاتفاقيّة كلِّها، والهيكل الذي تقوم عليه، ولقاء هذه الخدمات التي يؤدِّيها بنك الإنماء الصناعي للبنك الإسلامي، ونيابته فيها عنه، يتقاضَى مُقابِلًا لأتعابِه، لم يُحدَّد مقدارُه في الاتفاقيّة، بل يُتَّفَق بينهما ـ على تقديره مستقبلًا ـ خلال سنة من تاريخ التوقيع على هذه الاتفاقيّة.
يتضح من هذه الخُلاصة المعروضة عن هذه الاتفاقيّة أنها لا تُقيم شركة أو مرابحة بين البنك الإسلامي والبنك الصناعي، وإنما تُنشئ بينهما وَضعًا قانونيًا، يكون فيه البنك الصناعي وسيطًا ونائبًا بين البنك الإسلامي وشركات المشاريع الإنمائية، مُهِمّته دراسة مشاريعها، وتقديم تقارير تقويميّة عن كلٍّ منها، واقتراح المساهمة على البنك الإسلامي فيما يشاء منها، وتمثيله في علاقاته معها وقبض أرباحه منها، وفي عضويّته في مجالس إداراتها، فهو في كلٍّ ذلك وكيل عن البنك الإسلامي لقاء أجر.
هذا هو تكييف هذه الاتفاقية، ووصفها الشرعي والقانوني.
الرأي الفقهي، والملاحظات:
إن هذه الاتفاقية لا شائبة فيها شرعًا من حيث الأساس، ولكن يجب التنبُّه فيها وفي أمثالها لأمرين:
(الأول) ـ أن أصل مساهمة البنك الإسلامي في المشاريع؛ التي تُعرَض عليه لأجل امتلاك أسهم فيها، يجب أن يُنظر فيه إلى طريقة تمويلها.
فإذا كان تمويلها يتم بقروض رِبويّة تأخذها شركة المشروع من البنك الصناعي، أو أي بنك آخر، كما قد يجري في بعض الحالات، فعندئذٍ لا يجوز للبنك الإسلامي الدخول فيها بامتلاك شيء من أسهمها.
وأما إذا كانت تعتمد في تمويلها على مساهمة أصحاب الأسهم، كما هو المفروض في تكوين رؤوس أموال الشّركات المساهِمة عادة، فلا بأس في مساهمة البنك فيها؛ لأنها عندئذٍ مُشارَكة استثماريّة في مشاريع إنمائيّة بطريق مشروع، وهو شراء كَميّة من أسهمها التي تمثل رأس مالها.
(الثاني) ـ إن الاتفاقيّة المذكورة نصّت على أنه:
“يدفع البنك الإسلاميُّ إلى بنك الإنماء الصناعي أتعابًا، يتمُّ الاتفاق عليها بين الطرفين في مدة أقصاها سنة من تاريخ التوقيع على هذه الاتفاقيّة”.
فهذا الإرجاء في تحديد أجر الأتعاب لا يُقبل شرعًا ولا قانونًا، بل يُفسد التعاقُد بالنّظرينِ الشرعيِّ والقانونيِّ:
أما شرعًا: فلأن هذا العقد دَاخَلَتْه جَهالة مؤثِّرة في نظر جميع المذاهب الفقهية؛ لأنها جميعًا تشترط لصحة العقد معلوميّة الأجر عند التعاقُد، وجهالته تُفسِد العقدَ.
وأوسع المذاهب الفقهيّة، وأكثرها تسامحًا في هذا الموضوع ـ فيما أعلم ـ هو المذهب الحنبليّ، حيث يُجيز بعض فقهائه، وخاصّة العلامة ابن القيم وشيخه ابن تيمية، أن يبيع الإنسان سلعة بثمن لا يُحدِّدانِه في العقد، بل يتّفقان على أن يكون الثمن بحسب ما يستقرّ عليه سعر السُّوق في يوم العقد. فبما أن سعر السوق يُعرف لدى أهلها في الوقت المعيَّن، كانت هذه الجهالة عند التعاقد مغتفَرةً، ما دامت ستزول بالرجوع إلى الأساس الذي اتفق الطرفان عليه، وهو سعر السوق (ينظر المدخل الفقهي العام ج 1 في نظرية العقود ـ بحث سلطان الإرادة العقدية في الشروط التعاقدية ـ مزايا المذهب الحنبلي).
وأما قانونًا: فلأن القوانين المدنيّة متَّفقة على أن العاقدين إذا حدَّدا الأمور الجوهريّة الأساسيّة في العقد، واتفقا على إرجاء تحديد الأمور الفرعية إلى ما بعد، كان ذلك كافِيًا لانعقاد العقد صحيحًا، ثم إذا اختلفا في تحديد الأمور الفرعيّة المُرجأة حين بحثها مستقبلًا، فإن المحكمة تقوم بتحديدها بمعرفة خُبراء.
لكن هذا التسامُح القانوني في الجَهالة عند التعاقُد مقصور على الأمور الفرعيّة (مثل من يلتزم من الطرفين بدفع تكاليف كتابة العَقد، أو دفع تكاليف حراسة الدار المأجورة، أو أجرة السمسار، ونحو ذلك). أما الأمور الجوهريّة الأساسيّة، فإن القوانين المدنيّة توجِب تحديدها في العقد تحت طائلة البُطلان.
وممّا لا ريب فيه أن العوض في عقود المعاوَضة، كالأجرة في الإجارة، والثمن من البيع، هو من النواحي الأساسية في العقد بالنظر القانوني نفسه؛ لأنه من محلِّ العقد، فتحديده فيه واجب، وجهالته مُفسدة للعقد.
ولا يخفَى أن الأجر الذي سيدفع للبنك الصناعي لقاء أتعابه هو عوض في عقد معاوضة؛ لأن الوكالة بأجر تطبَّق عليها أحكامُ الإجارة أو عقدُ العمل، فهو ليس من الأمور الفرعيّة، بل من أساسيّات العقد، إذ من المحتمل مستقبلًا أن يُصِرَّ المُوَكِّل (في الوكالة بأجر مثلًا) على دفع أجر بخسٍ جدًّا، ولا يقبل بأزيد منه، وأن يُصِرَّ الوكيل على طلب أجر باهظ فاحش لا يرضَى بأقلَّ منه.
والمحكمة هنا ليس من شأنها التدخُّل لتحديد الأجر تفسيرًا للعقد؛ لأن تحديده ليس من الأمور الفرعيّة، وإنما أعطت القوانين القضاء سلطة (استثنائية) في الأمور الفرعية التي أرجأ الطرفان تحديدها في العقد ثم اختلفا فيها، وإنما كانت سلطة القضاء هنا استثنائيّة؛ لأن القضاء ليس من شأنه التدخُّلُ في إنشاء العقود. وإن تحديد العِوضين في المعاوَضات هو من صميم إنشاء العقد، فالعقد هو شريعة المتعاقدين يُنشِئانِه بإرادَتيْهما، والقضاء إنَّما يفصل الخلاف عند وقوعه بين العاقدين وَفقًا لنصوص عقدهما، الذي هو كقانون خاصٍّ بهما، متى كان العقد صحيحًا.
العلاج:
إنّ الطّريق الوحيدة لتصحيح مثل هذا العَقد بين الطرفين ـ هنا في مثل هذه الحال عندما لا يكون تحديد الأتعاب ومكافأتها متيسِّرًا لهما عند التعاقد ـ هي أن تتضمَّن الاتفاقيّة نصًّا يضع أساسًا صالحًا لتحديد أجر البنك الوكيل عن أتعابه في المستقبل، كما رأينا في المذهب الحنبليِّ أن بعض فقهائه يُجيز بيع السلعة بثمن لا يُحدَّد في الحال، بل بحسب ما يتبيَّن من سعر السوق في ذلك الوقت، وهذا تُقِرُّه القوانين المدنيّة أيضًا؛ لأنها توجب لصحة البيع تحديد الثمن في العقد، أو الاتفاق على أساس صالح لتحديده فيما بعد (مثلًا: كالاتفاق على أن تكون مكافأة الأتعاب نسبة مئويّة من قيمة الأسهم التي يشتريها الوكيل للمُوَكِّل، بحسب سعرها في السوق يوم الشراء).
ولا ينبغي أن يُتوهَّم أنّ نصَّ المادة / 11 / من الاتفاقيّة، قد تضمَّن الاتفاق على التحكيم في فصل كل خِلاف ينشأ بين الطرفين بشأن هذه الاتفاقيّة، أو موضوعها، وأن هذا يمكن أن يُعتبر اتفاقًا على أساس صالح، لتحديد أجر الخدمات التي أُهمل تحديد أجرها في العقد، فهذا غير مُفيد؛ لأن الأساس الصالح للتحديد مستقبلًا ليس هو إرادة الغير، بل يجب أن يكون معيارًا لحساب ينطلق من حدٍّ ثابت في الواقع، كما لو باع أحد شيئًا بثمن لم يحدَّد في العقد، ولكنِ اتفق الطرفان على أن يكون هو كُلفةَ المَبيع على البائع، بحسب الفواتير التي ستأتي مضافًا إليها ربحٌ بمقدار مقطوع، أو بنسبة مئويّة من تلك الكلفة. فقد نصّ الفقهاء على جواز بيع الشيء برقمه (أي: بالسعر المرقوم عليه كتابة، وهو غير مكشوف وقت العقد)، ولكنهم في هذه أوجبوا للمشتري خِيارًا في القَبول أو الفَسخ إذا لم يوافِقه المبلغ المرقوم على الشيء حين انكشافه.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى يُلحظ أن المُحكَّم هو بمثابة قاضٍ خاصٍّ منصوب بين الطرفين بإرادَتيْهما، والقاضي ـ كما سبق بيانه ـ ليس من شأنه إنشاء العقود، والعوض في المعاوَضات جزء من محلِّ العقد الذي هو العوضان، وتعيين المحل هو من قواعد إنشاء العقد، ويعود للطرفين لا للقاضي ولا للمحكَّم، وإلا لصحَّ أن ينعقد العقد بقول شخص لآخر: بعتك شيئًا (هكذا بلا تعيين)، وفلان محكَّمٌ بيننا في تعيين المَبيع وتقديره ثمنه، فوافَقه الآخر، ولكن مثل هذا الكلام لا يقول بانعقاد العقد به مذهب ولا فقيه.
وقد آثرتُ أن أُعطيَ هذه الناحية حقَّها، من تفصيل القول فيها، ووضع النقاط على الحروف؛ لتُلاحظ في أمثال هذه الاتفاقيّة، وإن بُطلان العقود لعدم الانتباه إلى قواعد إنشائها، مع أنها مشروعة موضوعًا، وهو أمر خطير النتائج في المعامَلات الضخمة.