السؤال:

هل يكفي للمسلم الاستقامة الفردية ؟

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،

أخي الكريم: إن أمتنا هي أمة الخيرية كما وصفها بذلك العليم الخبير فقال في محكم كتابه (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) فلا يكون من أمة الخيرية إلا من قام بواجبه تجاه أمته فهو يصلح نفسه ويعمل على إصلاح من حوله، لا تعرف الأنانية له طريق، فهو يعرف معنى النداء الرباني (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) ، ومن ثم فهو يسعى حسيسا لإنقاذ نفسه ومجتمعه من حوله، فالإسلام لا يرضى من المسلم السلبية أمام الفساد بصوره المختلفة، بل المسلم وظيفته الأساسية في هذا الكون هو عمارة الأرض وتعبيد الناس لرب العالمين.

يقول فضيلة الدكتور القرضاوي:

من خصائص الأخلاق فى الإسلام: أنها أخلاق إيجابية، فهى لا ترضى من المتحلي بها مساير الركب ، أو المشي مع التيار ، أو العجز والاستسلام للأحداث توجه قياده كالريشة فى مهب الريح ، إنما تحث على القوة والكفاح ، ومواصلة السعي فى ثقة وأمل ، وتقاوم العجز واليأس ، والتماوت والكسل ، وكل أسباب الضعف . وفى القرآن : (خذ الكتاب بقوة) (مريم:12) وفى الحديث : (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، ولا تقل: لو أنى فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان).

ويوصي الرسول بالعمل لعمارة الحياة حتى آخر لحظة فى عمر الدنيا ، ولو لم ينتفع بثمرة العمل أحد ، ولكن احترامًا لقيمة العمل فى ذاته ، (إن قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة يريد أن يغرسها، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها).

يرفض الإسلام الاتكالية المنهزمة التى نراها فى قول أصحاب موسى له (فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ههنا قاعدون) (المائدة:24)، ولكن يريد الإيجابية الفعالة التى تتمثل فى قول أصحاب محمد: (إذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون).

لم يكتف الإسلام من المسلم أن يكون مستقيمًا فى نفسه ، حتى يعمل على استقامة غيره، ولم يقبل المرء فى عداد الفضلاء الصالحين إذا صلح هو ، ولم يأبه لفساد المجتمع من حوله ، بل فرض على كل مسلم – بقدر كفايته واستطاعته- الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر والمرحمة ، والنصيحة فى الدين ، والاهتمام بأمر المسلمين : (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) (آل عمران:110)، (والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) (العصر:1-3)، (الدين النصيحة)، (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) .

بهذا رفض الإسلام السلبية أمام الفساد الاجتماعي والسياسى ، والتحلل الخلقي والديني، وطلب إلى المسلم أن يغير المنكر بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان .

والتغيير بالقلب ليس سلبيًا كما يظن، ولكنه تعبئة نفسية وشعورية ضد الفساد ، لا بد أن تتجسد يومًا فى عمل الملموس .