السؤال:

يتهم بعضُ الناس الإسلامَ بأنَّه دين قديم لا يصْلُح لِلْعَصْر، وَذَلِكَ مِن واقِع النِّداءات التي تدعو إلى القديم وتقاطع الجديد، فكيف نرد على هذا الاتهام؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

فإنَّ الدِّين الإسلامي خاتمة الأديان ورسوله خاتم الرسل ، فلابد أن يكون صالحًا لكل زمان ومكان، وليس من رحمةِ الله أن يترك عباده بدون رسالة حتى تقوم الساعة ، ومن هنا جاء الإسلام وفيه كل العناصر والمقومات التي تتجاوب مع التطور تحت ظِل القيم والثوابت التي لا تتغير بتغير البيئات والعصور .

يقول الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا :

مبدئيًا نقول : من الخطأ أن يُحكم على المبدأ مِنْ سلوك مَنْ يمارسونه ، فقد تكون الممارسة خطأً والمبدأ صحيحًا ، ومن هذا المنفذ وَجَّه الأعْدَاء تُهمًا كَثيرة إلى الدِّين الإسلامي بناءً عَلَى حالِ مَنْ يُمارسونه في هذه الأيام بالذات ، وكثير ممن ينتسبون إلى الإسلام يُهملون تعاليمه أو يتمسكون بقشورٍ ليست من صميم الدِّين ، كما هو حاصل في هذه الأيام من الحَمْلَة الشَّرِسَة على الإسلام من واقع سلوك المُنحرفين الذين يتورطون في أخطاء جسيمة باسم الدِّين.

وإذا أُريد الحُكْمُ عَلَى الْمَبدأ مِنْ واقعِ تطبيقه فليكن ذلك ممن طبَّقوه تطبيقًا صحيحًا ، فالإسلام وهو الدِّين الحق لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ـ فَهِمَه الأولونَ فَهْمًا صَحِيحًا وَطَبَّقوه تطبيقًا صحيحًا فكان لهم السُّلطان والقوة وتحقق فيهم وَعْدُ الله لمن آمن واعتنق الإسلام وطبقه بصدق ، والتاريخ شاهد على ذلك ، وفي هذا يقول الله سبحانه : (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خُوْفِهِمْ أَمْنًا) (سورة النور: 55).

إنَّ الدِّين الإسلامي خاتمة الأديان ورسوله خاتم الرسل ، فلابد أن يكون صالحًا لكل زمان ومكان، وليس من رحمةِ الله أن يترك عباده بدون رسالة حتى تقوم الساعة ، ومن هنا جاء الإسلام وفيه كل العناصر والمقومات التي تتجاوب مع التطور تحت ظِل القيم والثوابت التي لا تتغير بتغير البيئات والعصور .

إن التطور نزعةٌ فِطرية تقوم على الانتقال من حالٍ إلى حالٍ أحسن ، وهذه النزعة هي سر الحركة والنزوع إلى الكمال المادي والأدبي ، والأديان بوجه عام تُقر هذه النزعة ؛ لأنها أمر حتمي لا يمكن التمرد عليه ، ومُهمة الأديان هي التوجيه والإرشاد ، والأديان نفسها من ظواهر التطور ، فقد كانت خاصة ينسخها الدِّين الذي يجيء بعدها ، ثم كملت وصارت عامة بمجيء دين الإسلام.

ومن مظاهر موافقة الإسلام للتطور ما يأتي :

1 ـ أنه يدعو إلى الأخذ بالأحسن من كل شيء (فَبَشِّرْ عِبَادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتِّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) (سورة الزمر: 17،18) ، ولا يرضى عن القناعة بالدُّون ما دام الأفضل مُيسرًا ، ففي الحديث : “إن المؤمن لا يَشْبَعُ من خَيْرٍ حَتَّى يَكُونَ مُنتهاه الجنة” رواه الترمذي وحَسَّنه.

2 ـ أَنَّه يُمَجِّد القوة في كلِّ شيءٍ في الماديات والرُّوحانيات ، ففي الحديث “المُؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كلٍّ خير ، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز” رواه مسلم.

3 ـ حذَّر من الجمود على القديم إذا كان فاسدًا (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ . قَالَ أَوْ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ) (سورة الزخرف : 23،24).

4 ـ أَقَرَّ الإسلامُ التجديد في نطاق الثوابت ، ففي الحديث : “إنَّ الله يبعثُ لهذه الأمة على رأس كل مائة سَنة من يُجدد لها دينها” رواه الحاكم وصححه.

5 ـ شَجَّعَ الإسلام على العلم فهو أساس التطور ، ورفع قدر العلماء ، والنصوص في ذلك كثيرة ، والمراد بالعلم كل معرفة تفيد الفرد والجماعة في إطار الدِّين ، وذكر القرآن في الآيتين : 27 ، 28 من سورة فاطر ما يؤكد أن العلماء الذين يؤمنون بالله أو يزدادون به إيمانًا ويخشون عقابه : (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) هم علماء الفلك والطبيعة والكيمياء والنبات والحيوان وطبقات الأرض والعلوم الإنسانية كلُّها من طب واجتماع وفلسفة وغير ذلك.

6 ـ أمر الإسلام بالعمل وتطبيق العلم ، وشجعه في كل المجالات الزراعية والصناعية والتجارية وغيرها ، والنصوص في ذلك كثيرة لا يتسع لها المقام ويمكن الرجوع إلى الموضوع كله في كتابنا “دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة”.

7 ـ وإذا كان الإسلام يُقر التطور المادي فذلك في نطاق الدين كما سبق ذكره ، ومع ذلك يدعو إلى التطور الروحي بقوة ؛ لأنه ضمانٌ للتطور المادي من الانحراف ، وهو الباقي الخالد الذي يصحب الإنسان في دنياه وأخراه : (الْمَالُ والْبَنُونَ زِيْنَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا) (سورة الكهف : 46) ، (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ والْبَنِينَ والْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ . قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ ْبِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ) (سورة آل عمران : 14، 15).

إن الإسلام بهذا التطور كوَّن دولة عظيمة قوية في الماضي شهد به المُنْصفون من العلماء ، وقَرَّروا أن مبادئه وجهودَ العاملين به كان لها أثر كبير في تطور الحضارة الإنسانية في كل المجالات.

ومن هنا نقول : إنَّ الذين يريدون أن يحكموا على الإسلام يجب أن يحكموا عليه عن طريق مبادئه ، وعن طريق التطبيق الصحيح له ، ولا يجوز أن يحكموا عليه بسلوك المتأخرين الذين يجهل كثير منهم تعاليم الدين الحق ، أو يطبقونها تطبيقًا غير صحيح.

والله أعلم .