السؤال:

انتشرت عادةُ الأخْذ بالثَّأر في كثير من البلاد، وتوارثتها الأجيال وانفَرَدَتْ بِهَا بَعيدًا عن أعْيُنِ المسئولين ، فما حُكم الدِّين في ذلك؟

الجواب:

حقُّ الحياة من أقدس الحقوق إن لم يكن أقدسها، والاعتداء عليه بالقتل جريمة من أشد الجرائم نُكرًا، وأكبرها خطرًا، فهو يُؤَدي إلى يُتم الأطفال، وترمُّل النساء، وإشاعة الفوضى والاضطراب، وهو في حقيقته تحدٍّ لشعور الجماعة، وخروج على آداب الاجتماع، والحياة بدون احترام لحقوق المجتمع أشبه بحياة الحيوانات التي تسيِّرها غرائزها وتتصرف كيف يشاء هواها.
وقد أجمعت العقول السليمة واتفقت الأديان كلُّها على استنكار الاعتداء على حياة الغيْر بدون حقٍّ، قال تعالى عقِب قصة اعتداء ولَدِ آدَمَ قَابِيل على أخيه هابيل: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّه مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (سورة المائدة 32).
وفُرِضَت عقوبة صارمة للمعتدين، وهي القصاص من القاتل جزاءً وِفاقًا بما فعل، أو عوض يرضى به أهل القتيل.
والقصاص شريعة سماوية نزلت بها الكُتب الأولى، قال تعالى في شأن التوراة التي نزلت على موسى ـ عليه السلام ـ وكانت شريعة اليهود: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أّنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأْنَف بِالأْنِف وَالْأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ…) (سورة المائدة : 45).
والعرب قبل الإسلام كانوا يتمسَّكون بمبدأ القِصاص من القاتل مُبَررين ذلك بقولهم: القتل أنفى للقتل، وقد حملهم على هذا الموقف ما طبعوا عليه من إباء الضَّيْم وعدم الرضا بالهوان، فكانوا يرون الاعتداء على الحياة من أشد ما يجرح فيهم هذا الشعور، كما أنهم كانوا يباهون بعدد القبيلة، يفاخرون بالأولاد ويتكاثرون بالرجال ويرون الاعتداء على واحد منهم اعتداء على القبيلة كلِّها، يُوهن قُوَّتها ويُضْعف هيبتها بين القبائل الأخرى، فيهبُّون جميعًا للأخذ بثأره، لا يكاد يتخلَّى عن ذلك إنسان حتى لا يُوصَم بالجُبْنِ الذي يرونه عارًا ما بعده عار، ومن قولهم في ذلك:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
في النائبات على ما قال برهانًا.
واشتط العرب فتمسَّكوا بمبدأ الأخذ بالثأر ، ولم يرض أكثرهم به بديلاً من مال وغيره حتى خيَّلت لهم أوهامهم أن القتيل إذا لم يُؤخذ بثأره وقف طائر على قبره يسمونه “الهامة” يظل يصيح بقوله: اسقوني اسقوني، ولا يسكُت حتى يُقتل القاتل، يشير إلى ذلك قول الزبرقان بن بدر:
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي
أضربك حتى تقول الهامة اسقوني(1)
وكان من مظاهر شططهم في ذلك القصاص من غير القاتل ما دامت تربطه به قَرابة أو صِلة معروفة، فالجريمة عندهم تتضامن فيها القبيلة كلُّها، وقد يزيدون في شططهم فلا يرضَون إلا بالقصاص بأكثر من القاتل، إظهارًا لقوتهم وإرهابًا لغيرهم، أو شِدة تأثُّر بالفراغ الذي تركه ذو مكانة فيهم، يقول في ذلك قائلهم:
ألا لا يَجْهَلَنْ أحدٌ عَلَيْنا
فَنَجْهَل فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهلينا
وقد رُوي أن واحدًا قتل آخرَ من الأشراف، فاجتمع أقارب القاتل عند والدِ المقتول وقالوا له: ماذا تريد؟ قال: أريد إحدى ثلاث، قالوا: وما هي؟ قال: إما أن تُحيوا ولدي، وإما أن تملؤا داري من نجوم السماء، وإما تدفعوا لي جِلة قومكم ـ أي عظماءهم ـ حتى أقتلهم، ثم لا أرى أخذت عِوضًا.
وكان من أثر هذا الشطط اضطراب الأمن وانْحلال الروابط وتفكُّك العُرا، وإشاعة الفوضى وجُمُوح التعصُّب، والاستعداد الدائم للحرب والتمرُّن على فنون القتال، والتكاثر باقتناء الخيل الجياد والسيوف البواتر، والتغني في الأشعار بما يملكون من قوة ما يتصفون به من شجاعة وبأس وعِزة، مُنصرفين بذلك عن الأخذ بأسباب الاستقرار والرخاء والتقدُّم، فلم يكن لهم شأن يُذكر عند الأمم الأخرى قبل مَجيء الإسلام.
جاء الإسلام فوضع العلاج الحاسم لهذا الداء الخطير، حيث حرَّم القتل بدون سبب مشروع، كما حرَّمته الأديان الأخْرى فقال سبحانه: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعِمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (سورة النساء : 93) ووضع عُقوبة للقتل حتى لو كان خَطأ ـ مع أن الخطأ مبرر لرفع المساءلة ـ وجاء ذلك في آية بدأها بعبارة توحي بأنه لا يُتصور أن المؤمن يقتل أحدًا، فقال: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) (سورة النساء : 92).
وأقرَّ مبدأ القصاص من القاتل عند تعمُّد القتل الذي يدلُّ على الاستهانة بالقيم وعدم احترام حقوق الجماعة قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) (سورة البقرة : 178) وبَيَّنَ حِكْمَة ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيِاةٌ يَا أُولِى الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (سورة البقرة: 179).
غير أن الإسلام وهو الدين الوسط جمع إلى مبدأ العدل مبدأ الرحمة فجعل بديلاً للقصاص وهو الدِّية، كما قال تعالى بعد قوله (وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) في الآية السابقة (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ) (سورة البقرة:178) ورغَّب في العفو عنه في آيات كثيرة ووعد العافين أجرًا عظيمًا قال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) (سورة الشورى: 40).
وهو حين يُقرر مبدأ القصاص من القاتل وضع ضمانات تحول دون استفحال خطره وانتشار ضرره، فنهى عن الإسراف فيه بقوله: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِْف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) (سورة الإسراء : 33) ومن مظاهر هذا الإسراف قتلُ غير القاتل الذي ثبت إدانته، فحرم أن يؤخذ غيْرُه بجَريرته تطبيقًا للمبدأ العام الذي جاء في قوله تعالى: (ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (سورة الأنعام : 164) كما حرم أن يُقْتَل أكثر من القاتل، فذلك يؤدِّي إلى استمرار العَداء وتجدُّد الحروب وتفاقُم الضَّرر.
رُوي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمَّا رأى عمَّه حمزة مَقتولاً مُمَثَّلاً به في غزوة أُحُد حلف ليُمَثِّلَنَّ بسبعين من الكفار لشدة وقْع الألم على نفسه، فنزل قوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِه وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) (سورة النحل : 126) فاختار الصبر وكفَّر عن يمينه.
ومن الإسراف في القصاص ـ كما يراه كثير من أئمة الفقه ـ استيفاء ولي الدم حقه من القاتل دون الرجوع إلى أولى الأمر ـ السلطة الحاكمة ـ فلا يجوز أن يقوم به ولِيُّ القتيل ابتداء ، بل لابد من تدخُّل السلطة، ذلك أن للجماعة حقًّا في هذه الجريمة ، والحاكم هو مُمثل الجماعة الذي يستوفي لها حقَّها، وتقدير الجِناية وتحقيق أركانها أمر يحتاج إلى دِقة وضبط وفحص وتثبُّت لا يستطيع أن يقوم به ولِي الدم وحده.

يقول القرطبي في تفسيره “ج 2 ص 245” لا خلاف في أن القصاص في القتل لا يقوِّمه إلا أولو الأمر، فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعًا أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مَقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود أهـ.
وقد سبق توضيح ذلك في بعض الإجابات.
هذا هو موقف الإسلام من القصاص من القاتل، أو الأخذ بالثأر وهو لا يرضى أن يترك الناس تعاليمه ويعودوا إلى جاهليتهم الأولى
الإسلام لا يرضى أن يُخفي أولياء الدم أمر الجريمة عن المسئولين ليقتصوا بأنفسهم، كما يشاءون ، الإسلام لا يرضى أن يُؤخذ البريء بذنب المسيء وأن تسيل الدماء بغير حق، الإسلام لا يرضى أن تعيش الأسر على أعصابها وتتعطل مصالحها وتكثر الفتن بينها، الإسلام لا يرضى ألا يُتَقبَّل العزاء في القتيل حتى يُثأر له، ولا أن تكون غاية المتعلم أن يتقِن حمل السلاح ليثأر لشرف الأسرة، والإسلام لا يرضى عن هذا التقليد الجاهلي المَمْقُوت الذي يعطِّل القُوى ويصرف عن العمل الجاد، ويؤدي إلى الفساد و الإفساد.
إن السبب في ذلك هو الجهل الذي لا يمحوه إلا العلم، والتعطُّل الذي لا يقضي عليه إلا العمل، والاستهانة بالقيم والقوانين التي لا يُصلحها إلا التأديب الرادع، والتستُّر على المجرمين الذي لا يمنعه إلا إحكام الرقابة وتعاون الجهود.
فلنقف عند حدود الله حقنًا للدِّماء وتمكينًا للأمن، الذي هو من أكبر نِعَمِ الله على عباده، ففي ظلِّه يُحس الإنسان طعم الحياة، وينصرف إلى تكميل نفسه وتقوية مُجتمعه، ويترك وراءه جيلاً طيبًا يتحمل الأمانة بصدق، ويكون ذكرى طيبة لا تُنسى على مرِّ العصور، قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (سورة المائدة : 2) وقال : (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) (سورة الأنفال: 25).
الهوامش
(1) أدب الدنيا والدين ص 317.