السؤال:

ما مدى صحّة الحديث "أغلقوا الأبواب، وأوْكُوا السّقاء وأكْفِئوا الإناء وأطفئوا المصباح " وما تفسيره؟

الجواب:

روى البخاري في الأدب المفرد قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ “أغلقوا الباب، وأوْكُوا السِّقاء وأكْفِئوا الإناء، وأطفئوا المصباح، فإن الشيطان لا يفتح غلقًا ولا يحل وعاء، ولا يكشف إناء، وإنّ الفُويسِقة تضرم

على الناس بيوتَهم” ورواه ابن حبان في صحيحه وفيه زيادة “وخمّروا الإناء” بعد “وأكْفِئوا الإناء”.

 
وجاء في رواية لابن حبان أيضا عن جابر “أغلق بابك واذكر اسم الله فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، وأطفِئ مصباحك واذكر اسم الله، وأوْكِ سقاءَك، واذكر اسم الله، وخمّرْ إناءك واذكر اسم الله ولو بعود

تعرضه عليه”.

 
وجاء في رواية لمسلم وأحمد وأبي داود والترمذي عن جابر أيضا، “أغلقوا أبوابكم وخمّروا آنيتكم وأطْفئوا سُرُجَكم، وأوكئوا أسقِيتكم، فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقًا ولا يكشف غطاء ولا يحلُّ وِكاءً، وإن

الفُويسِقة تضرم البيت على أهله” ذكرها السيوطي كلها في جامع الأحاديث.

 
وجاء في رواية مسلم عن جابر “غطُّوا الإناء وأوْكُوا السِّقاء فإن في السَّنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمرُّ بإناء ليس عليه غطاء، وسقاء ليس عليه وكاء إلا وقع فيه من ذلك الداء” ذكره ابن القيم في “زاد المعاد”

وعلَّق عليه بقوله: وهذا ممّا لا تناله علوم الأطباء ومعارفهم، وقد عرَفه مَن عرَفه من عقلاء الناس بالتجرِبة . قال الليث بن سعد أحد رواه الحديث الأعاجم عندنا يتّقون تلك الليلة في السنة في كانون

الأول منها، وصحّ عنه أنه أمر بتخمير الإناء ولو أن يعرض عليه عودًا، وفي عرض العود عليه من الحكمة أنه لا ينسى تخميره بل يعتاده حتى بالعود، وفيه أنه ربما أراد الدّبيب أن يسقط فيه، فيمر على

العود فيكون العود جسرًا له يمنعه من السقوط فيه. وصحّ أنه أمر عند إيكاء الإناء بذكر اسم الله، فإن ذكر اسم الله عند تخمير الإناء يطرد عنه الشيطان، وإيكاؤه يطرد عنه الهوامّ، ولذلك أمر بذكر اسم الله

في هذين الموضعين لهذين المعنيين ، انتهى.

 
يؤخَذ من كلّ ما سبق أن الحديث وارد بدرجة الصحة في بعض رواياته، وأن المراد بتخمير الإناء تغطيته إذا كان فيه طعام، بل حتى لو لم يكن فيه طعام، وذلك حتى لا تسقط فيه الحشرات أو يتعرض

للتلوث، فإذا لم يكن هناك غطاء يكفأ الإناء الفارغ. وإيكاء السّقاء معناه ربطه، وكان الماء يحفظ في القِرَب عندهم أو المزادات ـ الزّمزميّات المصنوعة من جلد أو قماش لا ينفذ منه الماء ـ وذلك أيضا صيانة

للماء من التلوث بأي شيء من حشرات و غيرها، وكلك لحفظه أن ينسكب فيضع أو يتلف شيئًا، وكذلك منعًا للوباء أن يصيبَه في المواعيد التي يكثر فيها، كما عرَف بالتجرِبة ونصّ عليه الحديث ووضح ابن

القيم إمكان ذلك.

 

 

ومع القيام بهذه الاحتياطات يذكر اسم الله، وذلك لطرد الشيطان.

 
ويجوز أن يمنعَه الله من دخول البيت الذي أُغْلِق بابه، ومن الأكل والشّرب ممّا في الأوعية المُغطاة والمربوطة، أو المراد أن الله يحفظ البيت والطعام والشراب من كل سوء ويُبارك فيه.

 
ولفظ الشيطان يُطلق أحيانًا على الهوام والحشرات المؤذِية، وكل ما أوصانا به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من باب الاحتياط والأخذ بالأسباب والفُويسِقة هي الفأرة قد تجر السّراج بناره فتحرق البيت،

وكانت المصابيح تُضاء بالزيت أو تُصاب بالشعلة وهي تتناول الزيت فتجري وتمر على الأمتعة فتحرِقها، ولذلك أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإطفاء المصابيح عند النوم لهذا المعنى.

 
أما مصابيحنا الكهربائيّة فإنارتها بالبيوت ليلاً لا يحصل منها الخطر المذكور، وإن كان يمكن بوسيلة أخرى، والمُهِمّ هو الاحتياط حتى لا يحدث الخطر والناس نيام غير مُنتبهين فإذا استيقظوا وَجدوا الخَطَرَ

واقعًا، وكل بلد أو منطقة لها ظُروفها الجويّة والصّحّيّة، وبالتجرِبة يُعْرف ما يلزَم لاتّقاء الأخطار.