السؤال:

يشكو الناس كثيرًا من سوء معاملة الأسرى في الحروب، حتى الحروب التي تقع بين المسلمين بعضهم مع بعض، نريد معرفة هَدي الدِّين في ذلك؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

وهذا التخيير متروكٌ للإمام ليفعل ما فيه المصلحة، وقد روى عن عَلِيّ أَنَّ جبريل أَمَرَ النبيَّ أن يُخَيِّرَ أصحابه في الأسرى، إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء، ولكن الإمام أبا حنيفة يقول : إن التخيير قد نُسِخَ، والحكم الآن هو: إما القتل وإما الاسترقاق. ويقول مجاهد -من علماء التابعين- : ليس اليومَ مَنٌّ ولا فداءٌ إنما هو الإسلام أو ضرب العنق.
ومنشأ الخلاف في التخيير وعدمه هو آية : (حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثَاقَ فإمَّا مَنًّا بَعْدُ وإمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا).

فقال أبو حنيفة : إنَّ الحرب هنا في الآية هي بدر، فالمَنُّ والفداءُ هو في بدر فقط، وأما بعدها فالحكم هو القتل أو الرِّقُ، فالغاية على هذا هي للمنِّ والفداء حتى يكون الحكم منسوخًا، فإن جُعِلَتْ الغاية للإثخان وشدِّ الوَثَاق -أي القتل والأسر- كان المراد بالحرْب جنسها، يعنى أي حرب كانت، لكن الجمهور يَرَى أن الغاية هي للمنِّ والفداء مع إرادة جنس الحرب.

1- وقال العلماء أيضًا: إنَّ مَنْ أسلَمَ قبل الأسْر لم يسترق ـ أي لا يُضرب عليه الرق ـ وأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد غزْوة بدر لم يَفْدِ بمال، بل كان يَمُنُّ أو يُفَادِي أسيرًا بأسير.

هذا وقد أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالأسرى خيرًا، فقد ثَبَتَ أنه لمَّا وَزَّعَ الأسرى على الصحابة قال لهم : “استوصوا بالأسرى خيرًا” ويقول أحدهم -وهو أبو عزير بن عمير- كنت في رهْط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر فكانوا إذا قدَّمُوا غداءهم أو عشاءهم خَصُّونِي بالخبز وأكلوا التمر، لوصية الرسول إياهم بنا. وكان الفداء ما بين 1000، 4000 درهم كما يراه الرسول من حال الأسير.
هذا هو الحكم في الأسرى من الكفار، أما أسرى الحروب بين المسلمين فلا تنْطبق عليهم كل هذه الأحكام وبخاصة القتل والاسترقاق، والواجب معاملتهم بالحسنى فإن كثيرًا منهم أو أكثرهم مضطر إلى خوض المعركة، لصرامة القوانين العسكرية.
(زاد المعاد لابن القيم في باب الجهاد، وشرح الزرقاني على المواهب اللدنية في غزوة بدر وسيرة ابن هشام في غزو بدر، وشرح النووي على صحيح مسلم في كتاب الجهاد وكتب التفسير والفقه).