السؤال:

هل لَبسَ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ السراويل؟

الجواب:

جاء في شرح الزرقاني على المواهب اللَّدنية للقسطلاني “ج 5 ص 43” أن العلماء اختلفوا : هل لبس النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ السراويل أم لا؟ فجزم بعضهم بأنه لم يلبسها؛ مُسْتأنسين بما جزم به النووي في ترجمة عثمان بن عفان من كتابه “تهذيب الأسماء واللغات” أنه لم يلبسها في جاهلية ولا إسلام إلا يوم قتله، مخافة أن تظهر عورته، ثم ذكر القسطلاني حديثًا بسند ضعيف جدًا أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ اشتراها من السوق، وأن أبا هريرة الذي كان يريد أن يحملها عنه قال أتلبس السراويل؟ فأجابه أنه يلبسها في السفر والحضر وبالليل والنهار؛ لأنه أُمر بالستر ولم يجد أستر منها.

ثم ذكر أنه اشتراها من السوق؛ بسند صحيح عن أحمد وأصحاب السُّنن وذلك قبل الهجرة، وإذا صحَّ أنه اشتراها فهل كان ليلبسها هو أو ليلبسها غيره؟ ذكر ابن القيم في زاد المعاد أن الظاهر من شرائه لها أنه كان ليلبسها؛ ووافقه بعض العلماء على رأيه وخطَّأه آخرون. وإذا كان البخاري قد ترجم في كتاب اللباس من صحيحه باب السراويل؛ فقد ذكر سؤال رجل مُحْرِم للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عما يلبس عند الإحرام فنهاه عن القميص والسراويل والعمائم والبرانس والخفاف، وهو لا يدل على أن النبي كان لا يلبسه، ؛ بل إن بعض الصحابة كانوا يلبسونه ونهي عن لبسه في الإحرام.

ثم ذكر الزرقاني حديثًا عن أبي هريرة مرفوعًا رواه أبو نعيم أن إبراهيم الخليل أول من لبس السراويل. ولذا كان أول من يُكسى يوم القيامة، كما في الصحيحين.
هذا ما قيل في موضوع السراويل إذا ثبت أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اشتراها قبل الهجرة فإنه لم ينه عنها؛ لأن البعض كان يلبسها في المدينة؟ ومنع من لبسها في الإحرام لكن لبسه لها لم يثبت بطريق صحيح، وإذا كان عثمان بن عفان أو غيره لم يلبسها فليس معنى ذلك أنه اقتدى فيها بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد كان يلبسها قبل إسلامه، وما دام لم يرد فيها منعٌ عن لبسها فلبسها جائز استصحابًا للأصل في حِلِّ ما لم يرد في تحريمه نص، أما كون الرسول لبسها أو لم يلبسها فلم يثبت في ذلك شيء. ولهذا لا يثُار القول عن الاقتداء بالرسول فيه؛ والمسلمون يلبسونها من زمن طويل، ولم ينكر عليهم أحد ممن يعتد بإنكاره، وأرى عدم الجدوى في الكلام في هذا الموضوع.

جاء في غذاء الألباب “ج 2 ص 201” روى الإمام أحمد بسند جيد عن أبي أُمامة ـ رضي الله عنه ـ قال: خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على مشيخة من الأنصار… وجاء فيه فقلنا يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون فقال “تسرولوا وأتزروا وخالفوا أهل الكتاب” وهو حديث حسن. ولا عِبرة بتضعيف ابن حزم وابن الجوزي له. في الصحيحن عن ابن عباس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خَطَبَ بعرفات ” من لم يجد إزارًا فليلبس سراويلَ للمحرم” وبهذا استدل الإمام أحمد على أنها كانت معروفة عندهم.

وذكر أن إبراهيم كان أول من لبس السراويل حين اشتكى إلى الله حياءه من رؤية الأرض لمذاكيره فهبط جبريل بخِرقة من الجنة ففصلها جبريل سراويل وخاطتها سارة. ثم ذكر اختلاف العلماء هل لبسها النبي أو لا. فروي أنه لبسها كما لبسها إبراهيم وموسى، وروي عن غير واحد أنه أمر به. وذكر ابن الجوزي وأخرجه ابن حبان عن بُريدة أن النجاشي كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني قد زوجتك امرأة من قومك وهي على دينك أم حبيبة بنت أبي سفيان وأهديت لك هدية جامعة قميصًا وسراويل وعطافًا ـ طيلسان ـ وخُفين ساذجين فتوضأ النبي ومسح عليهما. وأخرج ابن حبان عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي برًا من هجر إلى مكة فأتانا رسول الله فاشترى سراويل، وثم وازن يزن بالأجر، فقال “إذا وزنت فأرجح” وأخرجه أحمد أيضًا من حديث مالك بن عُميرة الأسدي…قال في الفتح: وما كان ليشتريه عبثًا وإن كان غالب لبسه الإزار، وأخرج أبو يعلى والطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة: دخلت يومًا السوق مع رسول الله فجلس إلى البزازين فاشترى سراويل بأربعة دراهم، وفيه فقلت يا رسول الله وإنك لتلبس السراويل؟ فأجابه أنه يلبسها في السفر والحضر وبالليل والنهار؛ لأنه أُمر بالستر ولم يجد أستر منها.

هذا، ولولا أن السؤال وجه من بعض البلاد الإسلامية ما أطلت في الإجابة عليه، ذلك أن الملابس تخضع لظروف كثيرة لا يمنع منها إلا ما نُص عليه في المادة والشكل. ومشكلاتنا الضاغطة في هذه الأيام أولى بالبحث في إيجاد حلٍّ لها حتى لا نختلف عن الركب في سيره الحثيث.