السؤال:

هل يُمكِن رؤية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقظة بعد وفاته؟

الجواب:

روى البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “من رآني في المنام فَسَيَرانِي، في اليقظة، ولا يَتَمثَّل الشيطان بي”.
لقد وضَع الحافظ السيوطي رسالة في رؤية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مَنامًا ويقظة سمّاها “تنوير الحَلَك في إمكان رؤية النبي جِهارًا أو المَلَك “كما تَحدث عنها غيْره مثل القسطلاني في المواهب

اللَّدُنِّيَّة بشرح الزرقاني، وقد استخلصتُ من ذلك ما يأتي:

 
1 ـ رؤية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المنام جائزة، على خلاف في رؤية الشخص أو المثال، وما يحتاج إلى تعبير وما لا يحتاج إليه، وذلك كرؤية الإنسان لأي شخص بعد وفاته.

 
2 ـ من رآه في المنام فسيراه، تحقيقًا للوعد الذي جاء في الحديث، على خلاف في هذه الرؤية إن كانت في الدنيا أو في الآخرة، أو كانت لمن رآه حال حياته ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاصة، أو عامة

لكل إنسان إلى يوم القيامة.

 
3 ـ رؤيته يقظة بعد موته ليس هناك نص يَمنعها، فهي ممكنة، على خلاف في هذه الرؤية :

 
فإن كانت مثالية أي صورة يَستحضِرها الإنسان حتى تبدو كأنها الحقيقة فذلك لا مانع منه، ويُحمَل عليه ما يَراه بعض الصالحين، وإن كانت رؤية شخصية وكان الرائي قد رآه في قبره فذلك لا مانع منه، كما

رأى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ موسى ـ عليه السلام ـ في قبره، وهي لأصحاب الكرامات، والكرامات معترف بها كالمعجزات، مع التحفظ على أن هذه الرؤية الشخصية ربما لا تكون تمامًا كالرؤية

بالعيْن الباصِرة المُتعارَفة عند الناس.

 
4 ـ حوادث رؤية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد موته كثيرة، لكن أسانيد رواياتها ظَنِّيَّة، وهناك مَندوحة لعدم تصديقها، والرائي لابد أن يكون عَدْلاً، وفي الوقت نفسه يكون مُثبتًا مما رآه، كامل العقل

والقدرة على الإخبار به كما حدث، وبدون ذلك تَقوَى التُّهَمة، وكل راوٍ له استعداده في التحمُّل والنقْل، والأداء ربما لا يعبر تمامًا عن الرؤية.

 
5 ـ ما يُدَّعَى أنه أمر به أو نهي عنه في الرؤية الشخصية لا يُمكن أن يُعارِض الثابت في القرآن والسنة.
6 ـ يَنبغي لمن حَصَل له ذلك ألا يَستغله استغلالاً سيئًا لمصلحة نفسه أو لغرض آخر لا يَتفق مع الدين، وهو حر في تصديق ما يراه، لكن لا يَفرِضه على غيره.

 
7 ـ يجب الاهتمام بتنفيذ ما جاء في القرآن والسنة، فالاعتصام بهما سبيل الهُدى وحماية من الضلال، والدين واضح وكامل وتامٌّ ليس في حاجة إلى زيادات بعد ما جاء عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم

ـ وأصحابه والأئمة المجتهدين. وكل ما يقال عن الجديد فلابد أن يَأخُذ شرعيته من أصول الدين.

 
8 ـ الخلاف في مسألة الرؤية غير مفيد، والوقت الذي يُبذل فيه تأييدًا أو إنكارًا يَنبغي أن يُبذَل فيما هو أهمّ، فالقضايا والمشكلات كثيرة، ومن مصلحة العدو أن نَنصَرف عنها إلى هوامشَ ليست من صحيح

العقيدة الإسلامية وأصول التشريع.

 
9 ـ لا يجوز مطلقًا أن يُرمَى أحد بالكفر لتكذيبه دَعوَى جَواز الرؤية الشخصية للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو وقوعها، ولا أنْ يُرمَى أحد بالزيْغ والضلال لمجرد القول بها، فإذا تَجاوزَتِ الحدَّ بأي نوع من

التجاوز كان التفاهم بالحسنى لتصحيح الخطأ أو الحد من التعصب.

 
10 ـ مسألة الرؤية هذه ليست من العقائد المفروضة التي يَترتب على إنكارها الكفر، فالعقائد لا تَثبت إلا بما يفيد العلم اليقينيَّ ولا يوجد عليها دليل في القرآن الكريم، ودليلها من السنة ليس قطعيًّا في

دلالته، فالاحتمال موجود حتى على فرْض قطعيَّة الثبوت بالحديث الصحيح الذي لم يَبلغ مبلغ التواتر.