السؤال:

كيف نشأ نظام البنوك، وهل صحيح أن اليهود لهم دور كبير في ذلك؟

الجواب:

إن الرِّبا محرَّم في جميع الشرائع السماوية، ومن المعروف أن اليهود يُحبُّون المال حبًّا جمًّا، لدرَجةٍ طغَت على الإيمان باليوم الآخر، وجاء عنهم أن جنة الإنسان هي غناه وأن ناره هي فقره، أو مَن مات غنيًّا دخل الجنة ومن مات فقيرًا دخل النار، وقد جاء في القرآن الكريم ذمُّهم لأسباب كثيرة منها الرِّبا الذي جاء فيه قوله تعالى: (وَأَخْذِهُمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) (سورة النساء:161)، وما يزال نشاطهم في هذه النَّاحية معروف إلى الآن.
والتاريخ يتحدث أن البنوك التي وُلدت حديثًا في الغرب كان للثورة الصناعية دور كبير فيها، فقد كانت العُملة المتداوَلة هي النقود الذَّهبية، وكان الأغنياء يُودِعون أموالهم عند مَن يشتغلون بصناعة الذهب لحفظها وعدم السَّطو عليها، ويأخذون منها القدْر الذي يحتاجون إليه في مُقابلٍ يُدفع إلى من أودعت عنده، وإذا أراد الغني الانتقال إلى بلد آخر يستقل أن يحمل معه ذهبه أو يخشى عليه الضياع، فيأخذ أمرًا ممن هي عنده إلى زميل له في ذلك البلد ليتسلم ما يريد من المال وصارت السندات هي المستعملة بدل حمل النقود لخفتها وضمانها.

ولما كثرت الودائع الذهبية عند “الصيارفة” استغلوها في الإقراض بفائدة يحددونها على حسب ما يرون من حاجة المقترض، وعند ردِّ القرض بفائدته يستغل مرة ومرات أخرى وهكذا. ومن أجل هذا الحرص على الفائدة كره الناس هؤلاء الصيارفة اضطرارهم إليهم ـ ولما جاءت الثورة الصناعية كثر الإقراض الإنتاجي بعد أن كان للاستهلاك، ومن أجل الحاجة إلى ما عند الصيارفة ومع تحريم الكنسية للرِّبا ـ حلَّلَتْه القوانين الوضعية، فتطوَّر مركز الصيرفي وأصبح كل صاحب بنك له احترامه، ونشأت البنوك في صورة شركات مساهِمة، وانهالت الودائع عليها بفائدة ضئيلة تضمن لأصحابها الربح الثابت بدل من المخاطرة بها في المشروعات، وفي الوقت نفسه تقرض البنوك هذه الودائع بفائدة مرتفعة تكسب الفرق بين فائدة الإيداع وفائدة الإقراض ومن هنا انتزعت السيطرة على اقتصاديات العالم في العصر الحاضر.

ويقول المختصون: إن النظام الرِّبوي في البنوك جعل أصحابَها مُسيطرين على اقتصاديات المجتمع بل على سياسته الداخلية والخارجية وتشريعاته وسلوكياته وثقافته وفكره، يمتصون دماءه وهم آمنون، والناس من حولهم كادحون مغلوبون. وهذا النظام في الإقراض الإنتاجي دَفَعَ المنتج إلى غلاء الأسعار ليسدِّد القرض وفائدته، وإذا غلت الأسعار انحسر الاستهلاك وتضخَّم الفائض، ولو أراد المنتج تخفيض السعر ليصرف ما عنده كان ذلك على حساب العمال، إما بتخفيض أجورهم وإما بالاستغناء عن بعضهم، ولذلك عواقبه في نقص القوة الشرائية وفي خلْق البطالة وزيادة انحسار الاستهلاك، وفائض الإنتاج يزداد، ولتصريف الفائض يجيء التفكير في خلق أسواق غير مُنتجة، وهى في البلاد النامية وهو طريق إلى السيطرة عليها واستعمارها، وذلك يَخْلُقُ تحكمًا في أسعار المواد الخام التي لم تَصنعها تلك البلاد غير الصناعية، فتقل أثمانها، ولا تَجني من تصديرها إلا القليل.

إن خير ما يواجه به النظام الربوي لأصحاب البنوك، هو نظام المُضاربة بشروطها الشرعية المعروفة التي لا تُثْرَي فيه طائفة على حساب الأخرى، ويسود فيها التشاور والاشتراك الفعلي في النشاط الذي لا يُحقق الربح للطرفين، “مقتطف من مقال السيد/ أحمد عزت الصياد بمجلة الهداية الصادرة في البحرين ـ عدد جمادى الآخرة 1415هـ ديسمبر 1994م”.