السؤال:

نرجو شرح الحديث الذي يقول: "ثلاثة يضحك الله إليهم، الرجل إذا قام من الليل يُصلي، والقوم إذا صفوا للصلاة، والقوم إذا صَفُّوا للقتال"؟

الجواب:

هذا الحديث رواه أحمد، وفيه ثلاث فضائل يرضى الله عنها رضاءً عظيمًا، وقد جاء التفسير عن هذا الرضا بقول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: “ثلاثة يضحك الله إليهم” والضحك إذا عُدي بمن كان في مقام الذم غالبًا كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُون) (سورة المطففين: 29) وإذا عُدي بإلي كان في مقام المدح، كما في هذا الحديث.

والضحك بالمعنى المُتعارف عند الناس لا ينسب إلى الله، فالمراد لازمه وهو الرضا . فالله يرضى عن هذه الفضائل رضاء عظيمًا، والتعبير بالضحك عن ذلك يدُل على أهميتها وزيادة فضلها.

ـ الفضيلة الأولى: قيام الليل بالصلاة، ومن الأمور التي تُعْطِي قيام الليل أهميته أنَّ الصلاة في الليل أقرب إلى الخشوع، وذلك لسكون الأصوات وعدم الصوارف التي تُشَتِّت ذهن الإنسان وتُشَوِّش فكره، وهنا يكون الاتصال بالله أتم، والمُناجاة معه أمتع وأحسن، كما أن الليل يقل فيه أو ينعدم الرقيب الذي قد يرائي الإنسان بعمله من أجله، وهنا تكون العبادة أخلص لله وأبعد عن تُهْمَة الشرك والنفاق، وكذلك مما يجعل لقيام الليل أهميته أنَّ فيه إيثارًا لرضاء الله على رضاء النفس، فإن النفس تميل إلى الراحة وبخاصة في الليل، فإذا جاهدها الإنسان ونزعها عن هواها وقام يُصلي كان معنى حب الله واضحًا، وابتغاء مرضاته ظاهرًا.

ويُوضح ذلك حديث أبي الدرداء عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ “ثلاثة يحبهم الله، ويضحك إليهم، ويستبشر بهم” وعدَّ منهم “والذي له امرأة حَسنَة وفِرَاش لين حسن فيقوم من الليل، فيقول الله: يذر شهوته ويذكرني، ولو شاء رَقَدَ” رواه الطبراني بإسناد حسن. وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في فضل قيام الليل نكتفي منها بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ “إن في الجنة غُرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وأفشى السلام ، وصلَّى بالليل والناس نيام” رواه ابن حبان في صحيحه.

ـ والفضيلة الثانية: صلاة الجماعة وتسوية صفوفها، والذي يعطيها هذه المنزلة أنها تدُل على شعور الإنسان بالروح الاجتماعية، وحاجته إلى الصلة بإخوانه، والتعاون معهم على الخير، وكان بإمكانه أن يؤدي الصلاة في بيته منفردًا فالأرض كلها مسجد، لكنه لم يخلد إلى الراحة وآثر الانتقال إلى مكان الاجتماع مع إخوانه وممارسة نشاطه الديني معهم، وكذلك يعطيها هذه الأهمية أن فيها خضوعًا لنظام القيادة، وتناسيًا للفردية في سبيل مصلحة الجماعة، وإذا كانوا خاضعين لقائدهم وهو إمام الصلاة في توجههم إلى الله بالعبادة، فإنهم يحرصون على احترام هذه القيادة والحِرْص عليها في أمور دنياهم، وفي ذلك كلِّه قوة للمجتمع، تتماسك بها أركانه، ويرهب بها جانبه، كما أن نظام الصفوف وتسويتها يدرب على احترام النظام في كلِّ شئون الحياة، ويدرب على مقابلة العدو صفًا واحداً متماسكًا كالبنيان المرصوص.

وقد جاءت الأحاديث الكثيرة مُرَغِّبة في صلاة الجماعة من أجل هذه المعاني الكريمة وغيرها، وجعلتها تفوق صلاة الانفراد بسبعٍ وعشرين درجة. وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يهتم اهتمامًا كبيرًا بنظام الصفوف وتسويتها، روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما: كان النبي يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: “استووا ولا تختلفوا فتختلف قُلُوبُكُمْ” وبلغ من شِدة اهتمامه بتسوية الصفوف أنه كان يترك مكانه من الإمامة ويخترق الصفوف إذا رأى رجلاً خارجًا عن الصف، فيقيمه ويرشده ويقول: “لتسونَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم” رواه البخاري ومسلم.

ـ الفضيلة الثالثة: صفوف القتال، أي الاستعداد لمواجهة العدو، في وَحْدَة كاملة ونظام قوي، وهذا المعنى له أهميته، وذلك لأمور، منها استعداد المسلمين لحماية عقيدتهم وشرفهم والدفاع عن وطنهم، وتعاونهم في ذلك تعاونًا قويًا؛ لعلمهم أن هذه المهمة جماعية لا فردية، والضرر الناتج عن التقصير لا يقتصر على المُقَصِّر، يقول الله تعالى: (واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّة) (سورة الأنفال: 25) ومنها التضحية بأعز ما يملك الناس وهو الروح، فداءً لدينهم وشرفهم، والنفس من طبيعتها حب السلامة، ولكن النفوس المؤمنة الأبية لا ترضى السلامة مع الذلة والهوان، وتُرْخِص أرواحها في سبيل العِزة والكرامة. وهكذا يكون المؤمنون الذين جعلهم الله خير أمة أُخْرِجَتْ للناس، وانتدبهم لنشر رسالة الحق والسلام. إن الله يعجب بهذه الصفوف ويضحك إليها؛ لأنها صفوف لم تخرج لتحصيل مَغْنَم أو كسب مادي، ولكنها خرجت للموت ضاحكة مستبشرة.

وَلَمَّا كان هذا الاستهداف يحتاج إلى إيمان قوي يتغلب على هوى النفس جاء الترغيب في الجهاد قويًا بأساليب مُؤثرة، وكثرت الأحاديث التي تُبيِّن فضل المجاهدين على القاعدين، وتَعِد المقاتلين بإحدى الحُسْنَيَيْن، إما الفوز والنصر، وإما الشهادة والأجر: (وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (سورة النساء : 74) وأخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن ذروة سنام الإسلام هي الجهاد كما رواه الطبراني.

وبعد، فهذه فضائل ثلاثة، ينبغي أن نحرص عليها:

ـ الأولى فضيلة فردية لخاصة النفس وهي قيام الليل، يجاهد فيها نفسه ويتعرض لنفحات ربه، ورد في حديث مسلم “إن في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله فيها خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه ، وذلك في كلِّ ليلة”.

ـ والثانية فضيلة اجتماعية يظهر أثرها المباشر في وقت السِّلْم و يدرب بها لوقت الحرب، وهي صلاة الجماعة التي تُوحي بالتعاون والوحدة وحب النظام واحترام القيادة وعدم الشذوذ عن الجماعة.

ـ والثالثة فضيلة اجتماعية أيضًا يظهر أثرها وقت الحرب، وهي التعبئة العامة المنظمة لرد العدوان وحماية الأوطان، جاء فيها قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ “مقام الرجل في الصف في سبيل الله تعالى أفضل من صلاته في بيته سبعين عاماً” رواه الترمذي بسند صحيح.