السؤال:

ما حُكْم الدين في الرَّاتب الذي يتقاضاه الموظف من مصْلحة الضَّرائب؟

الجواب:

معلوم أنَّ العلماء قالوا: يَجُوز للإمام أن يَفرض ضرائب على القادرين إذا لم تُوفِّ الزكاة بسداد حاجات المحتاجين وإصلاح أحوال الأمَّة، ومعلوم أن مِيزَانيات الدول الإسلامية الآن لا تقوم فقط على الزكاة والموارد الأساسية الأولى، بل لها موارد متعدِّدة منها الضرائب والرسوم وغيرها. وإذا كان في هذه الموارد شيء حرام فإنه لا يُميَّز وحده بعيدًا عن الحلال، وإنما يختلط الحلال بالحرام، ويَصْعُب فصل أحدهما عن الآخر، وهنا قال العلماء – كما في كتاب: إحياء علوم الدين للإمام الغزالي ج2 ص 115. لو اختلط حرامٌ لا يُحْصَر بحلال لا يُحْصَر كحُكْم الأموال في زمانِنَا هَذَا لا يَحْرُم تناول شيء مِنْه ما دام مُحتمِلاً الحلال والحرام، إلا أن يقترن بتلك العين علاقة على أنه من الحرام، والدليل على ذلك ما يأتي:

1-أن أثمان الخُمور ودراهم الرِّبا من أيدي أهل الذِّمة مختلطة بالأموال، وكذلك غلول الأموال وغلول الغنيمة، ومن يوم أن نهى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الرِّبا في حَجَّة الوَداع ما تَرَك الناس الرِّبا بأجمعهم، كما لم يَتْركوا شُرْب الخُمور، ولا تَرَكوا المعاصي، وأدرك أصحاب الرسول الأمراء الظَّلَمة ولم يَمْتَنع أحدٌ منهم عن الشراء والبَيْع في السُّوق بسبب نهْب المدينة وقدْ نهبها أصحاب ” يزيد” ثلاثة أيام، والأكثرون لم يمتنعوا عن تلك الأموال مع الاختلاط، وكَثْرة الأموال المنْهوبة في أيام الظَّلَمة.

2- لو فُتِحَ هذا الباب لانسدَّ بابُ جميع التصرفات وخَرِبَ العالم، إذِ الفسق يَغلِب على الناس، ويتساهلون بسببه في شروط البيع في العُقود، ويؤدِّي ذلك إلى الاختلاط، ولو قيل: إن الحرام كثر عن أيام السلف فيجب ترك المختلط الآن – أقول ليس حرامًا وإنما الورع تركه. وقال القرطبي في تفسيره” ج2 ص109″ ما نصه:- قال ابن خويز منداد: وأما أخذ الأرزاق ـ المرتَّبات ـ من الأئمة الظلمة فلذلك ثلاثة أحوال:

أ – إن كان جميع ما في أيديهم مأخوذًا على مُوجِب الشريعة فجائز أخْذُه، وقد أخذت الصحابة والتابعون من يد الحَجَّاج وغيره.

ب- وإن كان مختلطًا حلالًا وظلمًا كما في أيدي الأمراء اليوم فالورع تَرْكه، ويجوز للمُحتاج أخذه.

ج- وإن كان ما في أيديهم ظُلمًا صُرًاحًا فلا يجوز أن يُؤْخذ من أيديهم… ولو كان ما في أيديهم من المال مغصوبًا غير أنه لا يُعْرَف له صاحب ولا مُطالِب فهو كما وُجِد في أيدي اللُّصوص وقُطَّاع الطُّرق، ويُجْعل في بيت المال، ويُنتظر طالبه بقدْر الاجتهاد، فإذا لم يُعْرَف، صَرَفَه الإمام في مصالح المسلمين.

من هذا وغيره نعرف أن أموال الضرائب التي تقوم ماليةُ الدولةِ عليها وعلى غيرها، ولا يتَمَيَّز فيها الحلال من الحرام يجوز الأخْذُ منها والانتفاعُ بها، كما هو حادث في هذه الأيام من توجيه الميزانية بما فيها؛ لأجل مصالح الشعب من أجور وغيرها ولا حرج في ذلك.