السؤال:

اسْتَعَارَ مِني بعض الناس دَرَّاجة لقضاء مصلحة فأصابها حادثٌ وعرض عليَّ مبلغًا من المال لإصلاح ما تلف منها، فقال لي بعض الناس : لا يجوز أخذ العِوض عن التلف، فهل هذا صحيح ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

 فإنه لا مانع شرعا من أخذ تعويض ما تلف ممن أتلفه، أو جعله يقوم بإصلاح ما أفسده. وما يقوله الناس من عدم جواز أخذ العوض لا أساس له من الصحة.

يقول الشيخ عطية صقر ـ رحمه الله ـ رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا:

يقول الله تعالى ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم ) (البقرة : 194) ويقول ( وإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِه وَلئِنْ صَبَرْتُمْ لَهوَ خَيْرٌ للصَّابِرين ) ( النحل : 126 ) ويقول ( والَّذِين إذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْي هُمْ يَنْتَصِرُون وَجَزَاءُ سَيِّئةٍ سَيِّئةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وأَصْلَحَ فَأَجْرُه عَلَى الله إنَّه لا يُحِبُّ الظَّالِمِين ) ( الشورى : 39 ـ 41 ) ويقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث الحسن ” لا ضَرَرَ ولا ضِرار ” .

إنَّ الحفاظ على الحقوق واجب ديني واجتماعي والتعدِّي عليها أو الإهمال في الحفاظ عليها يُوجب العقوبة من الله ـ سبحانه ـ إن كان عن عمد وقصد، وتُرْفَع هذه العقوبة إن كان عن خطأ كما في الحديث ” رُفِعَ عن أمتي الخطأ وما استُكْرِهوا عليه ” رواه أصحاب السنن، ورجاله ثقات ـ ولكن مع ذلك لا بد من إزالة الضرر الذي وقع، ومن تعويض التلف الذي حدث، وهذا أمر مُقَرَّر في جميع الأديان، وأقرَّه الإسلام تخفيفًا لمبدأ العدل والإنصاف .

وهذا التعويض قد يكون بالمثل وقد يكون بالقيمة، والخلاف فيه مذكور في نيل الأوطار ج5 ص 342 وهو حق ثابت لمن وقع عليه الضرر، إن شاء استوفاه وإن شاء تنازل عنه، وقد حَبَّبَ الدين في العفو عنه، كما في النصوص السابقة .

وفي حُكْمِ داودَ وسليمانَ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيه غَنَمُ الْقَوْمِ ـ تقرير لمبدأ التعويض عن التلف حتى لو كان بطريق غير مباشر، فكيف لو وقع التلف بطريق مباشر من الإنسان نفسه ؟ إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ طَبَّق هذا المبدأ في حياته، وطَبَّقه المسلمون من بعده، فعندما غرس شخصٌ نخلاً في أرض شخصٍ آخر وتخاصما إلى الرسول قضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر بصاحب النَّخل أن يُخرج نَخْلَه، إزالة للضرر الواقع على صاحب الأرض، كما رواه أبو داود والدارقُطني .

وقرَّر تعويضَ التلف حين أََرْسَلَتْ بعض زوجاته إليه طعامًا وهو في بيت زوجة أخرى فغضبت هذه الزوجة، وأكفأت قصعةَ الطعام فانكسرت فعوَّض الرسول صاحبتها بإناء بدل الإناء وطعام بدل الطعام، وهذه الحادثة رواها البخاري وأصحاب السنن .

وهي في كتاب نيل الأوطار للشوكاني (ج 5 ص 341، 342) فكان الرسول صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة، كما في رواية الترمذي، وجاء الطعام من بيت صَفِيِّة، كما في رواية أحمد وأبي داود والنسائي، أو من بيت زينب بنت جحش، كما في رواية ابن ماجه وابن أبي شيبة . وانظر ص 28 من كتابي ” مشكلات الأسرة ” وفتح الباري لابن حجر ” ج 5 ص 148 ” .

وقد حكم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بضمان ما أفسدته ناقةُ البراء بن عازب من زَرْعٍ في بستان مملوك لآخرين، كما في رواية أحمد وأبي داود وابن ماجه جاء فيها : أن على أهل الحوائط حِفْظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل فضامن على أهلها .

والراوي لتلك الحادثة هو حرام ابن مُحَيِّصة، وأخذ به الشافعي، ورواه مالك في المُوَطَّأ والنسائي والدارقطني وابن حبان وصححه، ومعنى ضامن على أهلها، مضمون عليهم، والخلاف في ضمان تلف الدابَّة ليلاً أو نهاًرا وضَّحه الشوكاني (ص 344).

والمُهم أن التلف يعوَّض، وفي حديث لابن أبي حاتم ” من كسر شيئًا فهو له وعليه مثله ” وصاحب الشيء التالف حُرٌّ في أن يتمسك بحقه أو يعفو عنه، والعفو مُحَبَّبٌ إليه، كما تقدَّم في النصوص . وقد يكون من الخير في بعض الأحيان التمسُّك بالعوض إذا عُرِفَ أن المُتْلِف للشيء مُقَصِّر أو مُعْتَاد الإهمال، وجاء فيه الحُكْم بتضمين القصَّارين والصبَّاغين والخيَّاطين والصُّنَّاع عامة . فتح الباري لابن حجر ” ج 5 ص 148 ” .

والله أعلم.