السؤال:

هل هناك نص يُحَدِّد قيمة الرِّبح في التجارة ؟

الجواب:

هناك آداب كثيرة للتجارة ، بعضها يتصل بالأشكال كصيغ التعاقد ، وبعضها يتصل بالمعاني كالأمانة والصدق والقناعة ، ومما ورد في ذلك حديث ” التاجر الصدوق يُحشر يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء ” رواه الترمذي وحسنه ، وحديث ” من غشَّنا فليس منا ” رواه مسلم، وحديث ” مَن بايعت فقل لا خَلابة ” أي لا خديعة . رواه مسلم ، وحديث ” لا تتلقَّوا السلع حتى يُهبط بها إلى الأسواق ” رواه البخاري ومسلم ، وحديث ” إياكم وكثرةَ الحلف في البيع ، فإنه يَنفَق ثم يُمْحق ” رواه مسلم ، وحديث : ” رحم الله رجلاً سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقْتَضَى ” رواه البخاري ، وحديث ” البيِّعان إذا صدقا ونصحا بُورِك لهما في بيعهما ، وإن خانا وكذِبا مُحقت بركةُ بَيْعِهِما ” رواه البخاري ومسلم .

تدلُّ هذه النصوص وغيرها على الاهتمام بالناحية الخُلُقية في التعامل التجاري وغيره ، وأهمها الصِّدق والقناعة والسماحة . وتفريعًا على ذلك إذا أراد التاجر أن يبيع سلعة فهو يطلب فيها ثمنًا أعلى من ثمن الشراء ، ليتحقق الكسب المقصود من التجارة وهذا الكسب ليس له قدر معين ، فللتاجر أن يُحَدِّده كما يشاء بشرط عدم الاستغلال وعدم الكذِب . ويشملهما عدم الغِشِّ .

والاستغلال يصوَّر مثلاً بألا يكون هناك تاجر غيره يملك هذه السلعة فهو يحتكرها ويفرض السعر الذي يريده ، لعلمه أن المشتري مضطرٌ إليها ، أو يطمع في كسب كبير؛ لأن المشتري ذو مال كبير لا يهمه السعر الذي يشتري به .

والكذب يصوَّر مثلاً بأن يقول له المشتري ، سأعطيك ربحًا معينًا فوق ثمن الشراء ، وطلب منه أن يذكر له الثمن الأصلي ، فالتاجر يذكر ثمنًا أعلى ، وقد يلجأ إلى الحلف لتأكيد ذلك .

أما إذا خلا البيع من الاستغلال والكذِب بكلِّ الصور والأشكال فلا تحديد للرِّبح الذي يريده ما دام الطرفان راضييْن بذلك . ويُسَنُّ أن يكون رِبْحًا معقولاً ، رحمة بالمشتري وقناعة بالقليل ، ودعاية له بين الناس ليكثر المتعاملون معه ، وفي ذلك خيرٌ له وللنشاط الاقتصادي بوجه عـام .

هذا ، وما ذُكر في بعض الكتب الفقهية من أن الرِّبْح لا يزيد على العُشْرِ أو الثُّلث فلا دليل عليه من القرآن أو السنة . ولعل القائل بذلك أَخَذَ قوله من واقع الحال في بلده وفي زمنه ، حيث كانت المصلحة في تحديد الرِّبح ، على نَسَق ما يقال في جواز التسعير للمصلحة .

هذا ، وقد تحدَّث الإمام الغزالي في كتابه ” إحياء علوم الدين ” عن الإحسان في المعاملة فذكر أن الغَبْن هو الغالب في التجارة وهو مسموح به ، وفسَّره بأن يبيع التاجر السلعة بثمن أكثر من ثمن شرائها . ومن رتبة الإحسان المندوب ـ وهو فوق رُتبة العدل الواجب ـ أن يكون الغَبْن والرِّبح معتادًا ، أي يجري عليه غالب التجَّار . ونص عبارته : وتُنال رتبة الإحسان بواحد من ستة أمور ، الأول: في المغابنة ، فينبغي ألا يُغبن صاحبه بما لا يتغابن به في العادة . فأما أصل المغابنة فمأذون فيه؛ لأن البيع للرِّبح ، ولا يمكن ذلك إلا بغبن ما ، ولكن يُراعى فيه التقريب ، فإن بذل المشتري زيادة على الربح المعتاد أو لشدة رغبته أو لشدة حاجته في الحال إليه فينبغي أن يَمتنع من قبوله ، فذلك من الإحسان . ومهما لم يكن تلبيس لم يكن أخذ الزيادة ظلمًا . وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الغَبْن بما يزيد على الثُّلث يوجب الخيار ، ولسنا نرى ذلك ، ولكن من الإحسان أن يُحطَّ ذلك الغَبْن . أهـ ” ج 2 ص 72 طبعة عثمان خليفة ” .

وأشار الشيخ يوسف الدِّجوي المالكي إلى أن البعض قال إذا وصل الغبْن الثلث فأكثر من قيمة السلعة فُسخ البيع إن قام المغبون في أثناء السنة من يوم البيع ، وأفتى به بعض العلماء ولكن ردَّه ابن رشد بقوله : إنه غير صحيح ، لحديث ” لا يبعْ حاضر لبادٍ ، دعوا الناس في غفلاتهم يرزق الله بعضهم من بعض ” . وذكر أنه لا يجوز الرد بالغبن ولو خالف العادة في القلة والكثرة إلا إذا كذَب في ثمن الشراء فللمغبون الرد بلا خلاف ، أما الخلاف فهو إذا كان المغبون جاهلاً من غير استسلام لما يقول البائع ، فإن كان عارفًا فلا رجوع له اتفاقًا ، فإن استسلم فالرد متفق عليه ” مجلة الأزهر مجلد 5 ص 244 ، 245 ” .


الوسوم: , , , ,