السؤال:

لماذا كان المِعراج مِنْ بَيت المَقدِس ولم يكن من مكّة، وماذا يدل عليه ذلك؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

حدث المعراج من المسجد الأقصى ليدل على هيمنة الدين الإسلامي على الدين كله ، ومكانة الرسول – صلى الله عليه وسلم بين الأنبياء ، ومكانة المسجد الأقصى عند المسلمين ، ومعجزة للرسول ، وكذلك بشارة بانتشار الدين .

يقول فضيلة الشيخ عطية صقر من كبار علماء الأزهر :

لقد حَدَث الإسراء من مكّة وانتهى إلى المسجد الأقصى بالشام، كما نصّ على ذلك القرآن الكريم، وهو مُعجزة مَن أنكرَها كَفَر لتكذيبِه خبرَ القرآن وهو قاطع في ثبوته ودلالته، والمعراج مُعجزة أثبتَتْها السُّنة وفي منكرها خِلاف بالقول بالكفر أو بالفسق. وجاء في بعض الروايات أن المعراج كان من مكّة وكان على البُراق، وإن كانت رواية المِعراج من المسجد الأقصى هي الأقوى، وكون المعراج على البراق غَريب؛ لأنّه إلى السّموات وليس إلى موضع آخر في الأرض حيث يكون التناسب بينها وبين الدّابّة التي هي البُراق، ولعل التعبير “بالمعراج” من مكّة خطأ بدل “الإسراء”.

من الطّبيعي أن يحدُث الإسراء من مكّة ـ كما أخبر القرآن ـ لأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان فيها منذ ولد ونشأ وبدأ الدعوة، وحَدَثت له الظروف التي كانت مقدمة للإسراء، وكان هو والمعراج بعيدين عن مكة لحكم جليلة منها:

1 ـ إثارة التعجُّب عند المُشركِين، كيف تَمَّ الانتقال والمسافة بعيدة، ولإمكان تصديقِه طلبوا من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصف بيت المَقدِس.

2 ـ أن المسجد الأقصى كان فيه اجتماع الأنبياء الذين احتفلوا به وكرّموا الرسول بإمامته لهم في الصلاة، وكأنّ الله يقول له: إن لم يؤمن بكَ المشركون فقد آمَن بك وكرَّمك مَن هم أفضل منهم، وهم أفضل البشر، أنبياء الله المصطفَوْن الأخيار، وفي ذلك تسلية وعزاء للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتنشيط له ليستمر في دعوته.

3 ـ وفي حَفاوة الأنبياء به إشارة إلى وَحدة الأديان، وكما جاء في الحديث الصحيح “الأنبياءُ إخوة مِن عَلات، أمهاتُهم شتَّى ودِينهم واحِد”.

4 ـ وفي ذلك إشارة إلى أن دين الإسلام سينتشر على الرغم من محاولات أهل مكّة للقضاء عليه، وستغطي دعوته العالم كله؛ لأن فيه خُلاصة الدعوات السابقة، مع المبادئ الصالحة لمسايَرة البشريّة في تطوّرها المستمرّ.

لقد كان المِعراج من المسجد الأقصى ليكون بعد الاحتفال الأرضي العام بالرسول احتفال خاصّ في السماء لم يحْظَ به نبي من الأنبياء، وكانت صفوة منهم في طريق عروجه يَستقبلونه ويكرِّمونه في السماء كما كرّموه في الأرض، وكان كلٌّ منهم يمثل مرحلة من حياته ـ صلّى الله عليه وسلم ـ أحسّ فيها بنصر الله لهم على الرغم مما حدَث لهم من أقوامهم.

هذا بعض ما أحسّ به من كون المعراج كان من المسجد الأقصى ولم يكن من مكة كالإسراء، ولكلِّ أن يقرأ ما بين السطور، ويستشفّ ما يفتح الله به عليه، والأسرار في التشريعات كثيرة لا يُحيط بها إلا من وضعها سبحانه وتعالى.

والله أعلم .