السؤال:

نعلم أن هناك شفاعة عُظمى للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم القيامة فهل له شفاعات أخرى وهل لغيره من الناس شفاعة وما حُكم شفاعة أحد لغيره من الناس في الدنيا؟

الجواب:

الشفاعة هي التوسط لنيل مرغوب أو دفع مكروه، وهي مأخوذة من الشفع وهو الزوج في العدد، ومنه الشفيع؛ لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعًا، ويقال: ناقة شفيع إذا اجتمع بها حمل وولد يتبعها،

 

والشفيع من الناس من يتوسط لغيره، والشفيع من العمل ما يُوصل إلى المطلوب، والمستشفِع ـ بكسر الفاء ـ هو الطالب للشيء عن طريق الشفيع والمستشفَع لديه هو من يملك تحقيق المطلوب،

 

والمشفع ـ بفتح الفاء ـ من قُبلت شفاعته ووساطته.

 
والإنسان قد يتشفع بعمله الصالح إلى الشخص ليُحقق له غرضه المشروع، ولا مانع من ذلك في الطلب والإجابة، ففي الحديث “من أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن

 

قد كافيتموه” رواه أبو داود والنسائي واللفظ له، وفي رواية للطبراني “من اصطنع إليكم معروفًا فجازوه، فإن عجزتم عن مجازاته فادعوا له حتى تعلموا أن قد شكرتم فإن الله شاكر يحب الشاكرين” ومنه

 

قوله تعالى في بر الوالدين ( وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) (سورة الإسراء : 24).

 
وقد يتشفَّع بعمله الصالح إلى الله تعالى، وهو في الفرائض واجب، وفي المندوب سُنة، ومنه قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

 

(سورةالمائدة : 35)، وفي الحديث الصحيح دعاء الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار أن يكشف الله عنهم بالأعمال الصالحة التي قَبِلَهَا منهم وهي: برُّ الوالدين والعفة عن الفاحشة وعدم أكل حق الغير.

 
وقد يتشفع بإنسان له منزلة عند من يملك تحقيق غرضه، ولا مانع من ذلك ما دام الغرض مشروعًا، بل قيام الشفيع بذلك مندوب إليه، فهو من باب التعاون على البرِّ والتقوى، والنصوص في ذلك كثيرة،

 

منها قوله تعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَه كِفْلٌ مِنْهَا) (سورة النساء : 85) وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ”ومن كان في حاجة أخيه كان الله في

حاجته ” رواه البخاري ومسلم، وقوله: “اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب، أو ما شاء” رواه البخاري ومسلم، ومن النهي عن الشفاعة غير المشروعية عدم قبول الرسول ـ صلى الله

عليه وسلم ـ شفاعة أسامة بن زيد في عدم إقامة حد السرقة على المرأة المخزومية، كما رواه البخاري ومسلم، يقول الحسن البصري في تفسير الآية السابقة: الحسنة ما يجوز في الدين، والسَّيِّئة

ما لا يجوز فيه، ومما جاء في ثواب الشفاعة الحسنة قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ “من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكَّل به: آمين ولك بمثل” رواه مسلم.

 

 
والكِفْل يستعمل في النصيب من الخير والشر، قال تعالى: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) (الحديد: 28) والشافع يؤجر فيما يجوز وإن لم يُشَفَّع ـ لأن الله قال: (مَنْ يَشْفَعْ) ولم يقل: يُشَفَّع.

 
هذه هي الشفاعة في الدنيا، أما الشفاعة في الآخرة فهي ثابتة بالقرآن والسنة والإجماع وقبولها تكريم لمن قام بها، ولا يقوم بها أحد إلا بإذنه سبحانه، قال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)

 

(سورة البقرة : 255) وقال تعالى: (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) (سورة طه : 109) وقال في شأن الملائكة (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى) (سورة الأنبياء : 28) والأحاديث

 

في ذلك كثيرة سيأتي بعضها.

 
ومن يأذن الله لهم بالشفاعة كثيرون، وربُّ العزة سبحانه له شفاعته، ففي صحيح مسلم أن الشافعين يدخلون النار ليُخْرِجوا منها أناسًا استوجبوا العذاب، وأن الله يقول: شَفَعَت الملائكة وشَفَعَ النبيون

 

وشَفَعَ المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط قد عادوا حممًا، أي فحمًا، الواحد حممة ـ بفتح الحاء ـ وذكر القرطبي في تفسيره “ج 10 ص 310”

 

أحاديث أخرى توضح كيف تكون الشفاعة.

 
ولا يُقال في هذا الحديث: كيف يدخل الشافعون النار ليُخرجوا منها أناسًا، فذلك دخول ليس للعذاب، فيسلب الله منها خاصية الإحراق لهم، كما قال للنار التي أعدَّها الكفار لإحراق إبراهيم عليه السلام

 

(يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيم) (الأنبياء : 69) مع العلم بأن قوانين الآخرة غير قوانين الدنيا،والله على كل شيء قدير.

 
وممن يأذن الله لهم بالشفاعة من يأتي:

 
1 ـ الملائكة، بدليل الآية السابقة من سورة الأنبياء وحديث مسلم السابق، وحديث ابن مسعود الآتي.

 
2 ـ الأنبياء: بديل حديث مسلم السابق، وحديث ابن مسعود الآتي، وعلى رأسهم سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم.

 
3 ـ الصديقون والشهداء، لحديث البيهقي عن ابن مسعود مرفوعًا إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ “يشفع نبيكم رابع أربعة، جبريل ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم نبيكم، ولا يشفع أحد في أكثر

 

مما يشفع فيه نبيكم، ثم الملائكة ثم الشهداء” وأخرج الترمذي والحاكم وصححه البيهقي حيث “ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم” قالوا: سواك يا رسول الله قال “سواي” وأخرج

 

البيهقي أيضًا هذا الحديث “يُقال للرجل: يا فلان قم فاشفع، فيقوم الرجل فيشفع للقبيلة ولأهل البيت والرجل على قدر عمله”.

 
4 ـ الصالحون الذين يصنعون المعروف للناس، فقد أخرج مسلم حديثًا طويلاً عن شفاعة المؤمنين الذين استوجبوا النار، وجاء في شرح ذلك أن شفاعة المؤمنين هي لمن دخل النار، فيأمر الله الشفعاء

 

بإخراجهم، أو لمن استوجب النار ولم يدخلها بعد حيث يكون في الصف المُستعد لدخولها، كما جاء في حديث ابن ماجه من شفاعة رجل في الصف الطيب لآخر في الصف الثاني سقاه أو قضى له حاجة

 

في الدنيا، كما ذكره القرطبي في تفسير آية الكرسي.

 
5 ـ حُفَّاظ القرآن العاملون به، فقد أخرج الترمذي وابن ماجه عن علي ـ رضي الله عنه ـ قال : قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ “من قرأ القرآن فاستظهره وأحل حلاله وَحَرَّمَ حرامه أدخله الله الجنة

 

وشفَّعه في عَشْرة من أهل بيته كلهم وَجَبَتْ لَهُ النَّار”.

 
6 ـ الأطفال الذين ماتوا ولم يبلغوا الحنث يعني حد التكليف، فقد روى النسائي بإسناد جيد “أن الأطفال يقفون يوم القيامة فيُقال لهم ادخلوا الجنة فيقولون: حتى يدخل آباؤنا فيُقال: ادخلوا الجنة أنتم

 

وآباؤكم” وتؤيده أحاديث صحيحة رواها مسلم وغيره فيمن دَفَنَتْ ثلاثة أنه احتظرت بحظار شديد من النار.

 
هذا والشفاعة حقٌّ كما ذهب إليه أهل السنة، وأنكرها المعتزلة الذين يقولون بخلود المؤمنين العاصين في النار، وأما قوله تعالى: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِبعٍ يُطَاع) (سورة غافر : 18) فالمراد بهم

 

الكافرون، وأجمع المفسرون على أن آية (لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا) (سورة البقرة : 48-123) هي نفس الكافرة.

 
شفاعات النبي ـ صلى الله عليه وسلم:

 
لاشك أن النبي شفيع الخلائق يوم القيامة بشفاعة كُبرى وهي المقام المحمود الذي يغبِطه به الأولون والآخرون، فهو أعظم الشفعاء قدرًا وأعظمهم جاهًا عند الله سبحانه، وقد قال تعالى في موسى ـ

 

عليه السلام (وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا) (الأحزاب : 69) وعن المسيح ـ عليه السلام (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) (آل عمران : 45).

 
وهذه الشفاعة ينتفع بها كلُّ أهل الموقف من المسلمين ومن غيرهم، وكما ورد في الحديث المتفق عليه، وذلك لتخفيف هول الموقف وبدء الحساب بعد أن يطلب أهل الموقف الشفاعة من آدم ونوح

 

وإبراهيم وعيسى فلا يجابون، ويقبلها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويسجد تحت العرش ثم يناديه ربه: ارفع رأسك وسل تُعط واشفع تُشَفَّع، فيقول يا رب أمتي، فيستجيب الله ويخف الهول ويبدأ

 

الحساب، وفي الحديث المتفق عليه “لكل نبي دعوة مستجابة، وقد ادَّخرتُ دعوتي لأمتي يوم القيامة”.

 
وهناك شفاعات أخرى له ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يستفيد منها الكافرون والمُنافقون إذا ماتوا على كُفْرِهم ونفاقهم ؛ لأن الله لا يغفر أن يُشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومغفرته لمن يشاء إما

بدون شفاعة أحد تفضلاً منه ورحمة، وإما شفاعة غيره ممن أذن الله لهم بها.
ومن الأدلة على حرمان الكافرين والمنافقين من شفاعته ـ صلى الله عليه وسلم:

 
1 ـ قوله تعالى في الكفار (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) (سورة المدثر : 48).

 
2 ـ قوله تعالى في أبي طالب عم النبي ـ صلى الله عليه وسلم: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أّنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)

(سورة التوبة :113).

 
3 ـ قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما نزل قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِبينَ) (الشعراء: 214) حيث نادى قومه أن يُنقذوا أنفسهم من النار، فإنه لا يُغني عنهم من الله شيئًا رواه مسلم.

 
4 ـ حديثه في أن الله لم يأذن له أن يستغفر لأمه، وأذِن له في زيارة قبرها فقط كما رواه مسلم.

 
5 ـ حديثه في عتاب إبراهيم ـ عليه السلام ـ لأبيه يوم القيامة على عصيانه وأن الله لم يُحقق له دعاءه كما رواه البخاري، وهو: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) (سورة الشعراء : 87).

 
والكفار درجات متفاوتة في الكفر، وبالتالي متفاوتون في نوع العذاب في النار، وإن كانوا مُخَلَّدين فيها، وإذا كانت للأنبياء شفاعة فيهم فيه للتخفيف من العذاب لا من النجاة منه.

 
فإذا كان في الكفار من خفَّ كفره بسبب من الأسباب كنصرته للرسول ومعونته فإن شفاعته تنفعه في تخفيف العذاب عنه،

كما جاء في البخاري ومسلم عن العباس بن عبد المطلب أنه قال قلت: يا رسول الله، فهل نفعتَ أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: “نعم وهو في ضحضاح من نار لولا أنا لكان في الدرك

الأسفل من النار” وفي لفظ “نعم وجدته في غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح” وفي رواية “إن أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين من نار”.

 
أما شفاعة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمؤمنين أو دعاؤه لهم فهو نافع باتفاق المسلمين، سواء في ذلك شفاعته لأهل الذنوب حتى لا يعاقبهم الله عليها أو حتى يخفف العقوبة عنهم، وكذلك

شفاعته لغير المذنبين بزيادة الحسنات ورفع الدرجات.

 
يقول القاضي: شفاعات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم القيامة خمس: الأولى العامة، وهي المقام المحمود، والثانية في إدخال الجنة بغير حساب، والثالثة في قوم استوجبوا النار بذنوبهم، فيشفع

 

لهم حتى لا يدخلوها، وقد أنكرها الخوارج والمعتزلة. والرابعة فيمن دخل النار من المذنبين، فيخرجون بشفاعته وشفاعة غيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين كالشفاعة السابقة، والخامسة في زيادة

 

الدرجات في الجنة لأهلها، وهذه لا تنكرها المعتزلة، كما لا تنكرها الشفاعة العظمى “تفسير القرطبي ج 10 ص 310).

 
هذا وهناك شفاعات كثيرة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أوصلها بعضهم إلى ثلاث عشرة بعضها مُؤيد بأحاديث صحيحة، وهذا القدر كله يؤيد ثبوت الشفاعة له عليه الصلاة والسلام ويمكن الرجوع في

 

ذلك إلى شرح الزرقاني للمواهب اللدنية ” ج 8 ص 365 وما بعدها”.