السؤال:

هل مِن الحديث ما يُقال "الإناءُ يستغفِر لِلاعِقه " وكيف يصحُّ هذا مع أنه من مستهجَنات العصر؟

الجواب:

يتصل بهذا السؤال سؤال آخر وهو لعْق الأصابع، وسيكون الجَواب في نقطتين.
النقطة الأولى لَعق الأصابع : روى البخاري ومسلم أن النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يأكُل كما يأكُل أصحابُه بأصابِعهم، وكان يلعَق أصابِعَه بعد الأكْل.
وأوصَى أصحابه بذلك قبل أن يمسَحوها بمِنديل ونحوه، كما رواه مسلم عن جابر أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمرَ بلَعق الأصابِع والصَّحفة وقال: “إنّكم لا تَدْرونَ فِي أَيِّ طَعامِكُمْ البَرَكة” وجاء في رواية لمسلم أيضًا عن أنس: وأمرَنا أن نسْلُت القَصعة والسّلت ـ كما فسره النووي ـ هو المَسح وتتبُّع ما بَقِيَ فِي القَصعة من الطعام “ج 13 ص 207”.
في هذا الإرشاد نظافة وعدم ضَياع شيء من الطّعام، فهو هديٌّ صحي واقتصادي.
(1) فلعق الأصابع تنظيف لها قَبل أن تُمسَحَ بالمنديل ونحوه، وهو يكون بعد الانتهاء من الأكل، وأمّا في أثناء تناول الطعام فيُكره لعق الأصابع، لأن الرِّيق سيخالِط ما في الإناء، والنفوس تَعاف ذلك، وقد يكون وَسيلةً لنقل بعض الأمراض، “الزرقاني على المواهب ج 4 ص 342 وغذاء الألباب للسفاريني ج 1 ص 209”.

(ب) أما لعَق الصَّحفةِ أي الإناءِ الذي فيه الطعام كالثريد الذي كانوا يأكلونه بأصابعهم، فيصوَّر بصورتين، الأولى أن يكون باللسان، والثانية أن يكون بطريقة السّلت أي مسح ما بقي من الطعام في الإناء ثم لعقه بالإصبع.
وإذا كان الآكِل شخصًا واحدًا من إناء خاصٍّ وليس طعامًا لجماعة، فيمكن أن يلعَق الإِناء بلسانِه، ويمكن أن يمسحَه بالإصبع ثم يلعَق إصبَعه، أي أن اللّعق يمكن أن يكون بإحدى الصورتين، ولا عَيب في ذلك ولا ضرر.
أما إذا كان الإناء فيه طعام لجماعةٍ يأكلونه فإن اللعق باللسان لا يتصوَّر منهم جميعًا، بل يكون من شخص واحد بعد انتهائهم جميعًا من الأكل، وأما السّلت بالأصابع فيتصوّر أن يكون من أكثر من شخص، حيث يتتبع كل آكلة بإصبعه ما توارَى أو بَقِيَ في جوانب الصّحفة أو الإناء فيأخذه ويأكله، وهذا أمر تعودوا عليه ولا يرون فيه بأسًا، وإن كان تَعافه بعض النفوس الأخرى.
والمُهِمُّ هو تنفيذ المطلوب بالوسيلة التي يتواضَع عليها الناس، فلا يبقى في الإناء طعام يُلقى ويضيع، أو يترك ليتعفَّن ويفسد إن لم يغسل بل نلتقطه بالمعلقة أو الشوكة أو السكين ونحو ذلك، بل يُنْدَب أن يلتقط ما وقع من الطعام وينظَّف ويؤكَّل ولا يُتْرَكُ للشيطان كما جاء في صحيح مسلم.
هذا وقد جاء في “الأوائل” للسيوطي أن أول مَن اتّخَذ الملعقة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام “غذاء الألباب ج 2 ص 83”.
النقطة الثانية استغفارُ الإناء: المُراد من ذلك هو الحثُّ على النّظافة والتّرغيب في عدم شيء يسبِّب القَذارة، أو يَضيع دون فائدة، وقد جاء في ذلك حديث رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد والبغوي وغيرهم، وقال عنه الترمذي : حديث غريب، أي رواه راو واحد فقط في سلسلة الرواة ـ والغريب قد يكون صحيحًا وقد يكون حسنًا ـ هذا الراوي الواحد قالوا: إنه هو المعلَّى بن راشد الذي رواه عن أم عاصم نبيشة، ورواه عنه كثيرون كما ذكر في “تحفة الأحوذى شرح الترمذي” انظر: أسد الغابة في معرفة الصحابة رقم 5091 والزرقاني على المواهب ج 4 ص 342 ـ والحديث بلفظ “مَنْ أَكَلَ طَعامًا في آنية ثُمَّ لَحَسَها استغفرتْ له القَصعة” قال الزرقاني: حقيقةً وشكرًا لفعله. يعني الاستغفار حقيقيّ، وحكمته شكر اللاعِق على تنظيفه وبُعد الشيطان عن لعقِه.
ولا مانع شرعًا ولا عقلاً أن يخلُق الله في الجَماد تمييزًا ونطقًا، ويؤيِّده رواية الديلمي “استغفرتْ له القصعة فتقول: اللَّهمّ أجِرْه من النار كما أجارَني من لَعْق الشّيطان”.
وقيل: إن الإستغفار كِناية عن حصول المَغفرة له ابتداء، لأنه لما كان حصول المغفرة بواسطة لحسِها غُفر له، ولما كانت المَغفرة بسبب لحسِها كأنّها تطلب له الغُفران. هكذا فسّروه.
هذا ما ورد ، ولا يجوز أن يعلّق عليه بالاستنكار، وبخاصّة بعد توضيح المعنى، والعرف إذ ذاك كان يقبله، والنتيجة هي الحثُّ على النظافة والاقتصاد.
وبهذه المناسبة سُئل بعض العلماء عن هذا الحديث وعن حديث “إذا أكلتم فأفضِلوا” فقال ما نصُّه: هذان حديثان لا أصل لهما “مجلة الإسلام ـ المجلد الرابع ـ العدد 36” وقد علمت أن حديث لَعق الإناء والاستغفار لِلاعِقه ورد بطريق صحيح، أما حديث “إذا أكلتم فأفضِلوا” فلم أعثُر له على تخريج مقبولٍ حتى الآن.