السؤال:

هل صحيح ما نَسمعه من بعض المؤذِّنين والمُنْشدِين من قوْلهم عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: يا أوَّلَ خلْق الله؟

الجواب:

لِيَكنْ معلومًا أنَّ مَقام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كبير وشرَفُه عظيم، والنصوص في ذلك أشْهر من أن تُذكر، وأكْثر من أن تُحصر، ويَكفي منْها قوله تعالى ( وما أرسلناك إلا رحْمةً للعالمين ) ( الأنبياء : 107 )، وقوله تعالى ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) ( الأحزاب : 40 )، وقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ” مَثَلي ومثَل الأنبياء من قبْلي كمثل رجل بني بيتًا فأحسنه وأجْمله، إلا موضعَ لَبِنَة من زاوية من زواياه، فجَعَل الناس يطوفون به ويَعجبون له ويقولون : هلَّا وُضِعت هذه اللَّبِنة !! قال: فأنا اللَّبِنَة وأنَا خاتَم النَّبيِّين ” رواه مسلم، وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ” أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأوَّل من ينْشق عنه القبْر، وأوَّل شافِع، وأوَّل مُشفَّع ” رواه مسلم.
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهذا وبغيره ليس في حاجة إلى اخْتلاق أمور نَزيده بها شرفًا وتكريمًا، وقد تَحمَّلنا شدَّة حبِّه على وضعه فوق ما يَستحقه، وهو القائل ” لا تُطْروني كما أطْرت النصارى المسيحَ ابن مريم، ولكنْ قولوا : عبد الله ورسوله ” رواه البخاري، أو على نسبة أحاديثَ إليه لم يقُلْها، وقد حذَّر من ذلك بقوله ” من كذَب عليَّ متعمِّدًا فلْيتبوَّأْ مَقْعده من النار ” رواه البخاري ومسلم.
بعد هذا نقول: هل صحيح أنَّه أخْبر عن نفسه بأنه أوَّل خلق الله، وهل هذا الخبر تُبْنَي عليه عَقِيدةٌ لو أنْكرها الإنسان يَكفُر؟.
مبدئيًا نقول: إنه قد رُويَت عنه بعض أحاديث تُفيد أنه أول خلق الله، لكنَّها أحاديثُ آحاد أولاً، ولم يُتفق على صحتها ثانيًا، وبِذلك لا يَكفُر منكرها، لكنَّها تُقبل في مَقام تأكيد تَكريمه ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وقد حاول بعض العلماء أن يُثْبت هذه الأوَّليَّة بشكل أو بأخر.
جاء في كتاب ” الدُّرُّ النَّظِيم في مَوْلد النبي الكريم ” لابن طُغْرُبَكْ :
يُروي أنَّه لمَّا خلق الله ـ تعالى ـ آدم ألْهَمَه أن قال: يا ربِّ لِمَ كنَّيْتني أبا محمد؟ قال الله تعالى: ” يا آدم ارفع رأسك، فرفع رأسه فرأى نور محمد في سُرداق العرش، فقال يا رب ما هذا النور؟ قال الله تعالى: يا آدم ارفع رأسك، فرفع رأسه فرأى نور محمد في سرداق العرش فقال: يا رب ما هذا النور؟ قال: هذا نور نَبِيٍّ من ذُرِّيتك، اسمه في السماء أحمد، وفي الأرض محمود، لولاه ما خلقْتك، ولا خلقت سماءً ولا أرضًا “. يقول القسْطلاني في ” المواهب اللَّدنِّية مع شرح الزُّرقاني “:
ويَشهد لهذا ما رواه الحاكم في صحيحه عن عمر مرفوعًا ” إن آدم ـ عليه السلام ـ رأى اسم محمد مكتوبًا على العرش، وأن الله تعالى قال لآدم: لولاه ما خلقْتك ” وروى عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله ما يفيد أنَّ النَّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبرَه أنَّ نوره هو أول شيء خُلق. ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم، ولا جنة ولا نار، ولا مَلَك، ولا سماء ولا أرض …
وهناك روايات في كيفية تجول هذا النور ودورانه في عوالم وحُجُب وأسرار.
وكما قلت: إنَّ النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد تقرَّر فضله العظيم، وإذا كنَّا نريد أن نُبرهن على حبِّنا له فذلك يكون باتباع سنته والتزام هدْيه، فهو القائل ” من أحبَّني فلْيَسْتنَّ بسنَّتي ” رواه أبو يعلِي بسند حسن، وحُبُّنا له وسيلة لحب الله تعالى الذي يقول ( قل إن كنتم تحبون الله فاتَّبعوني يُحْببْكم الله ) ( آل عمران : 31 ).