السؤال:

سافرتُ إلى بعض البِلاد وكنت أرسل لأبي ما أدَّخِره من أجل أن يَبنيَ لي بيتًا أو يشتري أرضًا أكسب منها عيشي عندما أعود إلى بلدي، فوجدت أبي سجَّل ما اشتراه باسمه هو وقال إنه شركة بينك وبين إخوتِك، ولما قلت له: وأين كَسبي؟ قال لي، أما تعرف أن الرسول قال للولد: أنت ومالُك لأبيك ؟ فهل هذا صحيح؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

إن الجَهل بالدِّين سبب لكثير من ألوان الانحراف، والطمع كذلك مَدرجة للانزلاق،وضعف الرُّوح الأخويّة أو تحكم الأَثَرة والأنانيّة التي لا يقوم بها مجتمع سَليم.

قال العلماء في مظاهر بِرٍّ الولد بوالديه:

لابدَّ من الإنفاق عليهما النّفقة المناسبة من طَعام وكِساء ومَسكن، وما إلى ذلك من الضروريات، بشرط أن يكون ذلك فيوُسْع الولد، ولا يضُرُّ به ضَررًا واضحًا، فإذا استولَى الوالدان على مال ولدهما لحاجتِهما إليه فلا شَيء فيه بشَرط عدم الضَّرر بالولد، كأن يأخذا ما يَزيد على كفايتِهما، ولا يمكِّنانه من أداء التزاماتِه الخاصّة، وإلا كان على الولد أن يُعطيَهما فقط مِقدار الكِفاية، وهو النفقة الواجبة، ويُبقي لنفسه ما يعيش به معأسرته.

أخرج البيهقي عن قيس بن أبي حازم قال: جاء رجل إلى أبي بكر ـ رضي اللهعنه فقال: إنّ أبي يُريد أن يأخذَ مالي كلّه يَجتاحه، أي لا يُبقي منه شيئًا فقال لأبيه: إنّما لك من ماله ما يَكفيك. فقال: يا خَليفة رسول الله، أليس قد قال رسولالله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ “أنت ومالك لأبيك”؟ فقال: نعم، وإنما يَعني بذلك النّفقة. “تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 66″.

والحديث المذكور رواه ابن ماجة عن جابر، ورواه الطبراني عن سمرة وابن مسعود بسند صحيح، جاء في معجم المغني لابن قدامة الحنبلي” ص2″ أن للأبِ دون غيره أن يأخذ من مال ولده ما يَشاء، ويتملّكه مع حاجة الأب إلى ما يأخذه ومع عدمها، صغيرًا كان الولد أو كبيرًا، بشرطين: ألا يُجْحِفَ بالابن ولا يضُرُّ به، ولا يأخذ شيئًا تعلّقت به حاجته. وألاّ يأخذَ من مال ولده فيُعطيَه لآخر.

وروى البيهقي في الدلائل والطّبراني في الصّغير الأوسط بسند فيه من لا يعرف عن جابر: أن رجلاً أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يشكو إليه والده بأنه أخذ ماله، فأرسل خلفه ـ استدعاه ـ فجاءَ إلى النبي، وسأله عمّا يقوله ولده ،فقال: سَلْه، هل أُنفقه إلا على إخوتِه وعمّاته؟ وبعد أن سمع منه أبياتًا[1] “انظرالجزء الخامس من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام”  قال النبي لابنه: “أنتَ ومالُك لأبيك” وجاء في تفسير الزمخشري “الكشاف” أن الولَد غَنِيٌّ، وأن أباه صار عاجِزا يتوكّأ على عصا، وأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بَكَى لمَنظره وأنه قال: “ما مِن حَجَر ولا مَدَرٍ يسمع هذا إلا بَكَى”

ولكن مخرّج أحاديث الكشاف قال: لم أجدهفالحديث ضعيف.

ولما كان بعض الآباء يتحرّج من أخذ شيء من مال أولاده؛ لأنه مال للغير، جاء النّص الذي يُطيِّب النفس بأخذ ما يحتاج إليه منه، ففي الحديث “إِنَّأولادَكم من أطيبِ كسبِكم، فكُلوا كَسْب أولادكم” رواه أبو داود وأحمد وابن ماجه،وهو صحيح ذكره السيوطي في “الجامع الصغير” والبغوي في “مصابيح السنة” وابن القيم في “إعلام الموقعين” وفي زاد المعاد “ج 4 ص 164”.

والله أعلم.

[1] ذكر هذه الأبيات صاحب مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ونصها عنده:

غذوتك مولودا وعلتك يافعا  تعل بما أدنى عليك وتنهل

إذا ليلة ضاقتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا ساهرا أتململ

تخاف الورى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت حتم حق موكل

كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني فعيني تهمل

فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ماكنت فيك أؤمل

جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل

فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما جار المجاور يفعل