السؤال:

ما حكم عيادة المريض؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد
المريض إنسان ضعيف، يحتاج إلى الرعاية والمساندة، والرعاية أو المساندة ليست مادية فحسب، كما يحسب الكثيرون، بل هي مادية ومعنوية معًا.

من أجل ذلك كانت (عيادة المريض) من هذا الباب، فهي تشعره بأهميته لدى من حوله، وحبهم له، وحرصهم عليه، وتمنيهم لشفائه، وهذه المعاني تمنحه قوة نفسية يقاوم بها هجمة المرض المادية.
وبذلك تكون عيادة المريض والسؤال عنه والدعاء له، جزءًا من العلاج، عند العارفين من أهل الذكر، فليس العلاج كله ماديًا.
  ولهذا حثت الأحاديث النبوية على (عيادة المريض) بأساليب شتى وألوان من الترغيب والترهيب، حتى جعلها النبي -صلى الله عليه وسلم- من الحقوق الأساسية للمسلم على المسلم.
ففي الحديث الصحيح المتفق عليه عن أبى هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
” حق المسلم على المسلم خمس : رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس “. (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان برقم 1397).

   وروى البخاري عن أبى موسى الأشعري قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ” أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني ” (صحيح البخاري : كتاب المرضى، باب وجوب عيادة المريض . حديث رقم (5649) البخاري مع الفتح ط: دار الفكر، المصورة عن السلفية بالقاهرة 10/112) .والعاني : الأسير.
وروى أيضًا عن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسبع .. وذكر منها:
” عيادة المريض “. (المرجع السابق حديث 5650).
وهل الأمر في هذا الحديث والذي قبله للوجوب أو للاستحباب ؟
اختلف العلماء في ذلك.

فذهب الإمام البخاري إلى أن الأمر هنا للوجوب، وترجم في صحيحه لذلك بقوله : (باب وجوب عيادة المريض ).
وقال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب بمعنى الكفاية، كإطعام الجائع وفك الأسير، ويحتمل أن يكون للندب ؛ للحث على التواصل والألفة.
وجزم الدودي بالأول، فقال : هي فرض يحمله بعض الناس عن بعض.
وقال الجمهور: هي في الأصل ندب، وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض.

وعن الطبري : تتأكد في حق من ترجى بركته، وتسن فيمن يراعى حاله، وتباح فيما عدا ذلك.
ونقل النووي الإجماع على عدم الوجوب، يعنى : على الأعيان (فتح الباري بشرح صحيح البخاري 10/112، 113).
والذي يترجح لي من ظاهر الأحاديث : أنها فرض من فروض الكفاية، على معنى أنه لا يجوز أن يهمل المريض دون أن يعوده أحد، فيجب على المجتمع المسلم بالتضامن أن يكون منهم من يسأل عن المرضى ويعودهم، ويدعو لهم بالشفاء والعافية، وقد كان بعض أهل الخير من المسلمين في الزمن الماضي يخصصون بعض الوقف الخيري لمثل ذلك، مراعاة منهم لهذا الجانب الإنساني.

وأما عموم الناس فهي مستحبة استحبابًا مؤكدًا، قد يرتقى إلى الوجوب في حق بعض الناس الذين لهم بالمريض صلة خاصة وثيقة، كالقرابة والمصاهرة، والجوار اللصيق، والزمالة الطويلة، وحقوق الأستاذية أو الصداقة الحميمة، أو نحو ذلك، بحيث يتأثر المريض كثيرًا بعدم عيادته من فلان هذا، ويفتقده.

ولعل هذا النوع من الناس هو المقصود بكلمة ” حق ” في قوله : ” حق المسلم على المسلم خمس ” إذ لا يتصور أن يطلب من جميع المسلمين أن يعودوا كل مريض، بل يطلب ممن له به صلة خاصة تقتضي منه مثل هذا الحق.
قال في (نيل الأوطار) : (والمراد بقوله ” حق المسلم ” : أنه لا ينبغي تركه ويكون فعله إما واجبًا، أو مندوبًا ندبًا مؤكدًا شبيها بالواجب، ويكون استعماله – أي الحق – في المعنيين من باب استعمال المشترك في معنييه، فإن (الحق) يستعمل في معنى (الواجب) . وكذا يستعمل في معنى (الثابت) ومعنى (اللازم) ومعنى (الصدق) وغير ذلك ). (نيل الأوطار للشوكاني 4/43، 44).
والله أعلم