السؤال:

سَمِعْنَا حَديثًا عَن قِيام السَّاعة وأن الفِتْنَةَ تأتي من قِبل المَشْرِق، فهل هذا صحيح؟

الجواب:

روى البخاري أنَّ عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : ذَكَرَ النَّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : “اللهمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، اللهمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا” قالوا: يا رسول الله: وفي نَجْدِنَا قال: “اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا” قالوا: يا رسول الله: وفي نجدنا فأظنه قال في الثالثة: “هناك الزلازلُ والْفِتَنُ وبِهَا يطلع قَرْنُ الشَّيْطَان” وفي رواية عن ابن عمر أيضًا أنه سَمِعَ الرَّسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو مُسْتَقْبِل الْمَشْرِق يقول: “أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا من حيث يطلعُ قَرْنُ الشَّيْطَان” وفي بعض الروايات بدل قرن الشيطان “قَرْنُ الشمس”.
يقول ابن حجر : “فتح الباري ج13 ص 61” ناقلاً عن غيره: كان أهلُ المَشْرِق يَوْمَئذٍ أهل كُفْرٍ فَأَخْبَرَ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر، وأول الفتن كان من قِبل المَشرق فكان ذلك سببًا للفُرْقَة بَيْنَ المسلمين، وذلك مما يحبُّه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة، قال الخطابي: نَجْد من جهة المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة، وأصل النجد ما ارتفع من الأرض، وعُرِفَ بِهَذَا ما قال الداودي أن نجدًا من ناحية العراق.
هذا من نقلته عن الفِتنة وأنها من جِهة الْمَشْرِق الذي قيل إنَّه العراق، ولا أدري بالضبط ما يُراد بالفتنة، هل هي الكُفر والرِّدة أَوْ هِي الْحَرْب والقتال، وهل حدثت الفتنة أو لم تحدث إلى الآن؟
جاء في حديث رواه البخاري أيضًا عن سُؤال حُذيفة بن اليَمان لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الشرِّ مَخَافَة أَنْ يُدْرِكَهُ: أَنَّ بَعْدَ الخير الذي جاء به الإسلام يجيء شر، وأن بعد الشر يجيء خَيْرٌ فيه دَخَنٌ قَالَ عَنه النَّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ “قومٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَديي، تعْرِف منهم وتُنْكِر” وأن بعد الخير يجيء شَرٌّ قال عنه “دُعَاةٌ عَلَى أبوابِ جَهَنَّم. وَمَن أَجَابهم إليها قَذَفُوه فيها” وقال في صفتهم “هم من جِلْدَتِنَا ويتكلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنْا” ونصح الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حُذيفة إذا أدرك ذلك بأن يلزم جماعة المسلمين، وإذا لم يكن لهم جماعة ولا إمام أن يعتزل الفِرَق كُلَّها ولو أن يَعضَّ بأصل شجرة حتى يُدْرِكه الْموت وهو عَلَى ذَلِكَ.
ويُعرف من هذا أن دُعاة الفتنة هم من العَرب، وقال عِياض: المُراد بالشر الأول الفتن التي وقعت بعد عثمان، والمُراد بالخير الذي بعده ما وَقَعَ فِي خِلَافَةِ عُمر بن عبد العزيز، والمراد بالذين تَعْرِفُ منهم وَتُنْكِرُ الأمراء بعده، فكان فيهم من يتمسك بالسُّنَّة والعدل، وفيهم من يدعو إلى البِدْعَة ويعمل بالجَوْرِ. قال ابن حجر: الظاهر أن المُراد بالشرِّ الأول ما أشار إليه من الْفِتَن الأولى، وبالخير ما وقع من الاجتماع مع علي ومعاوية، وبالدَّخَنِ مَا كَانَ فِي زمنهما من بعض الأُمَرَاء كَزِياد بالْعِرَاق وَخِلاف مَنْ خَالَفَ عَلَيه من الخوارج، وبالدُّعَاةِ علَى أبواب جَهَنَّم مَن قَام في طلب المُلْكِ مِن الخوارج وغيرهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله “الْزَمْ جَمَاعَةَ المسلمين وإمامَهُمْ” يعني ولو جار، ويوضِّح ذلك رواية أبي الأسود “ولو ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ” وكان مثل ذلك كثيرًا في إدارة الحَجَّاج ونحوه.
ثم روى البخاري قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ “يُوشِكُ أَنْ يَكون خيرَ مالِ المسلم غَنَمٌ يتبع بها شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَواقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بدينه من الْفِتَن” وقال ابن حجر: اختلف السَّلف في أصل العُزْلة ، فقال الجمهور: الاختلاط أولى، لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية للقيام بشعائر الإسلام وتكثير سواد المسلمين، وإيصال أنواع الخير إليهم من إعانة وإغاثة وعِيادة وغير ذلك. وقال قوم: العُزْلَة أَوْلى، لتحقق السلامة، بشرط معرفة ما يتعين. وقال النووي المُختار تفضيل المُخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع في معصية، فإن أشكل الأمر فالعُزْلَة أوْلى، وَقَالَ غَيْره: يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم من يتحتَّم عليه أحد الأمرين ومنهم من يترجح وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا فيختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فمن يتحتَّم عليه المُخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر، فيجب عليه إما عينًا وإما كفايةً بحسب الحال والإمكان. وممن يترجح من يغلب على ظنه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وممن يستوي من يأمن على نفسه ولكنه يتحقق أنه لا يطاع. وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة، فإن وقعت الفتنة ترجحت العُزلة، لما ينشأ فيها غالبًا من الوقوع في المحذور. وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعمُّ من ليس من أهلها، كما قال الله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) (سورة الأنفال: 25).
انتهى ما نقلته عن ابن حجر، والمُهم أن الفتن موجودة في كلِّ عَصْرٍ وَمَصْر، وأن الإنسان ما دام حيًّا سيتعرض لها، والواجب هو مُحاولة البُعد عنها وتجنب أسبابها، والقيام بواجب الإصلاح عند الإمكان الذي لا ضرر فيه مع رجاء الخير من محاولة الإصلاح، وعلى رأس هذه الفتنة فتنة المسيح الدَّجال، وقد ثبت أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يستعيذ بالله من فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال.