السؤال:

قد تتعرض بعض النساء للاغتصاب من أعداء الله في أماكن كثيرة وقد يحملن من هذا الاغتصاب فهل يجيز لهن الشرع الإجهاض ليتخلصن من هذا الجنين الذي نتج عن سفاح وعن قسوة ربما تتسبب في جعل حاجز نفسي بين الأم ووليدها الذي يذكرها بهذه المأساة ؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد
أحب أن أؤكد أولاً : أن هؤلاء النسوة من أخواتنا وبناتنا، ليس عليهن أي ذنب فيما حدث لهن، ما دمن قد رفضن وقاومن في أول الأمر، ثم أكرهن عليه تحت أسنة الرماح، وضغط القوة الباطشة، وماذا تصنع أسيرة أو سجينة مهيضة الجناح، أمام آسر أو سجان مدجج بالسلاح ؟ لا يخشى خالقًا، ولا يرحم مخلوقًا ؟!

والله تعالى قد رفع الإثم عن المكره فيما هو أشد من الزنى، وهو الكفر، والنطق به، قال تعالى : (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان). (النحل : 106)
بل رفع القرآن الإثم عن الإنسان في حالة الضرورة القاهرة، وإن بقى له شيء من الاختيار الظاهري، وما ذاك إلا لأن ضغط الضرورة أقوى منه، قال تعالى بعد أن ذكر الأطعمة المحرمة : (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم). (البقرة: 173)

والنبي – صلى الله عليه وسلم- قال : ” إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه “. (ابن ماجة : في الطلاق 1/ 659، (2045) وصححه الحاكم 2/ 198، ووافقه الذهبي والبيهقي في سننه 7/356 ).
بل إن هؤلاء البنات والأخوات يؤجرن على ما أصابهن من البلاء، إذا تمسكن بإسلامهن الذي ابتلين وامتحن من أجله، واحتسبن ما نالهن من الأذى عند الله عز وجل، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ” ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولاهم ولا حزن، ولا أذى ولا غم ـ حتى الشوكة يشاكها ـ إلا كفر الله بها من خطاياه”. (رواه البخاري في المرضي 10/103، 5641، 5642(

فإذا كان المسلم يثاب في الشوكة يشاكها، فكيف إذا انتهك عرضه أو لوث شرفه ؟!
ومن أجل هذا أنصح للشباب المسلم أن يتقرب إلى الله تعالى بالزواج من إحدى هؤلاء الفتيات، رفقًا بحالهن، ومداواة لجرحهن، وهو جرح نفسي قبل كل شيء، ناشئ عن إحساسهن بأنهن فقدن أعز ما تملكه فتاة شريفة طاهرة، وهو عذريتها.

أما إجهاض الحمل، فقد بينا في فتوى سابقة أن الأصل في الإجهاض هو المنع، منذ يتم العلوق، أي منذ يلتقي الحيوان المنوي الذكر بالبييضة الأنثوية، وينشأ منهما ذلك الكائن الجديد، ويستقر في قراره المكين في الرحم.
فهذا الكائن له احترامه وإن جاء نتيجة اتصال محرم كالزنى، وقد أمر الرسول المرأة الغامدية التي أقرت بالزنى واستوجبت الرجم، أن تذهب بجنينها حتى تلد، ثم بعد الولادة أن تذهب به حتى يفطم.

وهذا ما أختاره للفتوى في الحالات العادية، وإن كان هناك من الفقهاء من يجيز الإجهاض إذا كان قبل مضي أربعين يومًا على الحمل، عملاً ببعض الروايات التي صحت بأن نفخ الروح في الجنين يتم بعد أربعين أو اثنين وأربعين يومًا.

بل من الفقهاء من يرى الجواز إذا كان قبل مضي ثلاث أربعينات أي قبل مائة وعشرين يومًا، عملاً بالرواية الأشهر بأن نفخ الروح يتم عند ذلك.
والذي نرجحه هو ما ذكرناه أولاً، ولكن في حالات الأعذار لا بأس بالأخذ بأحد القولين الآخرين، وكلما كان العذر أقوى كانت الرخصة أظهر، وكلما كان ذلك قبل الأربعين الأولى كان أقرب إلى الرخصة.

ولا ريب أن الاغتصاب من عدو كافر فاجر، معتد أثيم، لمسلمة عذراء طاهرة، عذر قوي، لدى المسلمة ولدى أهلها، وهي تكره هذا الجنين ـ ثمرة الاعتداء الغشوم ـوتريد التخلص منه.. فهذه رخصة يفتى بها للضرورة، التي تقدر بقدرها.

ونحن نعلم أن هناك من الفقهاء من شددوا في الأمر، ومنعوا الإسقاط ولو بعد يوم واحد من الحمل، بل هناك من حرموا مجرد الامتناع الاختياري عن الإنجاب، بمنع الحمل من قبل الرجل أو المرأة أو كليهما، مستدلين بما جاء في بعض الأحاديث من تسمية (العزل) بـ (الوأد الخفي).فلا غرو أن يحرم الإجهاض بعد الحمل.

والأرجح هو التوسط بين المتوسعين في الإجازة، والمتشددين في المنع.
والقول بأن (البييضة) منذ يلقحها المنوي أصبحت (إنسانًا) إنما هو لون من (المجاز) في التعبير، فالواقع أنها (مشروع إنسان)
صحيح أن هذا الكائن يحمل الحياة، ولكن الحياة درجات ومراتب، والحيوان المنوي نفسه يحمل الحياة، والبييضة قبل تلقيحها أيضًا تحمل الحياة، ولكن هذه وتلك ليست هي الحياة الإنسانية التي تترتب عليها الأحكام.

ومن ثم تكون الرخصة مقيدة بحالة العذر المعتبر، الذي يقدره أهل الرأي من الشرعيين والأطباء والعقلاء من الناس، وما عدا ذلك يبقى على أصل المنع.
على أن من حق المسلمة التي ابتليت بهذه المصيبة في نفسها، أن تحتفظ بهذا الجنين، ولا حرج عليها شرعًا، كما ذكرت، ولا تجبر على إسقاطه، وإذا قدر له أن يبقى في بطنها المدة المعتادة لحمل ووضعته، فهو طفل مسلم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ” كل مولود يولد على الفطرة ” (رواه البخاري في الجنائز 3/245، 1385).والفطرة هي التوحيد وهي الإسلام.

ومن المقرر فقها: أن الولد إذا اختلف دين أبويه، يتبع خير الأبوين دينا، وهذا فيمن له أب يعرف، فكيف بمن لا أب له ؟ إنه طفل مسلم بلا ريب.
وعلى المجتمع المسلم أن يتولى رعايته والإنفاق عليه، وحسن تربيته، ولا يدع العبء على الأم المسكينة المبتلاة، والدولة في الإسلام مسئولة عن هذا الرعاية بواسطة الوزارة أو المؤسسة المختصة، وفي الحديث الصحيح المتفق عليه : ” كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته “. (رواه البخاري في العتق 5/181، (2558)، وفي النكاح 9/299، 5200).
والله أعلم.