السؤال:

كنا مجموعة متنوعة المشارب والثقافات، جلسنا نتدارس ونتناقش في بعض أمور الدين فانتهى بنا الحديث إلى موضوع اختلفنا في شأنه اختلافًا حادًا هذا الموضوع الذي اختلفنا في شأنه هو التصوف وكتبه وطرقه ورجاله، ومناهجه الفكرية والتربوية. فمنا من رفضه رفضًا كليًا، واعتبره ضد الإسلام الصحيح، ومنا من قبله قبولاً مطلقًا، واعتبره الطريق الوحيد للوصول إلى الإسلام معرفة وتذوقًا وسلوكًا. ولم نستطع أن نصل إلى رأي حاسم في الموضوع، لأن لكل منا خلفيته الثقافية التي تحدد مسار تفكيره. لهذا نريد منكم بيانًا واضحًا وحاسمًا حول التصوف ونشأته واتجاهه ومميزاته وعيوبه، حتى يمكننا أن نحدد موقفنا منه على بينة، دون تعصب له أو عليه. وفقكم الله ونفع بعلومكم المسلمين.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
التصوف لا يذم في حد ذاته، بل هو مطلوب لكل مسلم إذا أريد به الاهتمام بالروح اهتماما لا يطغى ولا يضر بالجسد، وعلينا أن نزن أعمال التصوف بميزان الكتاب والسنة، فما وافقهما قبلناه وما خالفهما تركناه.

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:
التصوف: اتجاه يوجد في كل الأديان تقريبًا .. اتجاه إلى التعمُّق في الجانب الروحاني، وزيادة الاهتمام به. يوجد هذا في بعض الأديان أكثر منه في أديان أخرى. في الهند.. هناك فقراء هنود، يهتمون بالناحية الروحية اهتمامًا بالغًا، ويجنحون إلى تعذيب الجسد من أجل ترقية الروح وتصفيتها بزعمهم، وكذلك المسيحية. ولا سيما في نظام الرهبانية. وفي فارس، كان هناك مذهب ماني. وعند اليونان ظهر مذهب الرواقيين. وفي بلاد أخرى كثيرة، ظهرت النزعات الروحية المتطرفة على حساب الناحية الجسدية أو المادية.

والإسلام حينما جاء جاء بالتوازن بين الحياة الروحية والحياة الجسدية والحياة العقلية. فالإنسان -كما يتصوره الإسلام- جسم وعقل وروح. ولابد للمسلم أن يعطي كل جانب من هذه الجوانب حقه. وحينما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن من أصحابه من يغالي في ناحية من النواحي، زجره، كما حدث لعبد الله بن عمرو بن العاص ، فقد كان يصوم ولا يفطر، ويقوم فلا ينام، وترك امرأته وواجباته الزوجية. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عبد الله إن لعينك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لبدنك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه).

وحينما ذهب فريق من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون أزواجه عن عبادته، فكأنهم تقالُّوها، فقال بعضهم لبعض (وأين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)، قال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثاني: وأنا أقوم الليل فلا أنام، وقال الثالث: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج. فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم مقالتهم فجمعهم وخطب فيهم وقال:(أما إني أعلمكم بالله وأخشاكم له، ولكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني ).

فمن هنا جاء الإسلام بالتوازن في الحياة، يعطي كل ناحية حقها، ولكن الصوفية ظهروا في وقت غلب على المسلمين فيه الجانب الماديّ والجانب العقلي.

الجانب الماديّ، نتج عن الترف الذي أغرق بعض الطبقات، بعد اتساع الفتوحات، وكثرة الأموال، وازدهار الحياة الاقتصادية، مما أورث غُلوًّا في الجانب المادي، مصحوبًا بغلوّ آخر في الجانب العقلي، أصبح الإيمان عبارة عن “فلسفة” و “علم كلام” “وجدل”، لا يشبع للإنسان نهمًا روحيًا، حتى الفقه أصبح إنما يعنى بظاهر الدين لا بباطنه، وبأعمال الجوارح. لا بأعمال القلوب وبمادة العبادات لا بروحها.

ومن هنا ظهر هؤلاء الصوفية ليسدُّوا ذلك الفراغ، الذي لم يستطع أن يشغله المتكلمون ولا أن يملأه الفقهاء، وصار لدى كثير من الناس جوع روحيّ، فلم يشبع هذا الجوع إلا الصوفية الذين عنوا بتطهير الباطن قبل الظاهر، وبعلاج أمراض النفوس، وإعطاء الأولوية لأعمال القلوب، وشغلوا أنفسهم بالتربية الروحية والأخلاقية، وصرفوا إليها جُلَّ تفكيرهم واهتمامهم ونشاطهم. حتى قال بعضهم: التصوف هو الخُلق، فمن زاد عليك في الخُلق فقد زاد عليك في التصوف. وكان أوائل الصوفية ملتزمين بالكتاب والسنة، وقَّافين عند حدود الشرع، مطارِدين للبدع والانحرافات في الفكر والسلوك.

ولقد دخل على أيدي الصوفية المتبعين كثير من الناس في الإسلام، وتاب على أيديهم أعداد لا تحصى من العصاة، وخلّفوا وراءهم ثروة من المعارف والتجارب الروحية لا ينكرها إلا مكابر، أو متعصب عليهم. غير أن كثيرًا منهم غالوا في هذا الجانب، وانحرفوا عن الطريق السويّ، وعُرفت عن بعضهم أفكار غير إسلامية، كقولهم بالحقيقة والشريعة، فمن نظر إلى الخلق بعين الشريعة مقتهم، ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عذرهم. وكان لهم كلام في أن الأذواق والمواجيد تعتبر مصدرًا من مصادر الحكم.. أي أن الإنسان يرجع في الحكم إلى ذوقه ووجدانه وقلبه.. وكان بعضهم يعيب على المحدثين، لأنهم يقولون: فلان قال وحدثنا فلان … ويقول الصوفي: حدثني قلبي عن ربي.. أو يقول: إنكم تأخذون علمكم ميتًا عن ميت، ونحن نأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت.. أي أنه متصل -بزعمه- بالسماء مباشرة.

فهذا النوع من الغلوّ، ومثله الغلوّ في الناحية التربوية الذي يضعف شخصية المريد كقولهم: إن المريد بين يدي شيخه كالميّت بين يدي غاسله، ومن قال لشيخه: لم؟ لا يفلح. ومن اعترض “انطرد”. هذه الاتجاهات قتلت نفسيات كثيرة من أبناء المسلمين، فسَرَت فيهم روح جبرية سلبية كاعتقادهم القائل: أقام العباد فيما أراد…، دع الملك للمالك، واترك الخلق للخالق.. يعني بذلك أن يكون موقفه سلبيًا أمام الانحراف والفساد، وأمام الظلم والاستبداد، وهذا أيضًا من الغلو والانحرافات التي ظهرت عند الصوفية. ولكن كثيرًا من أهل السنة والسلف قَوَّم علوم الصوفية، بالكتاب، والسنة، كما نبه على ذلك المحققون منهم، ووجدنا رجلاً كابن القيم يزن علوم القوم بهذا الميزان الذي لا يختل ولا يجور، ميزان الكتاب والسنة. فكتب عن التصوف كتابًا قيمًا، هو كتاب.”مدارج السالكين إلى منازل السائرين”. ومدارج السالكين هذا عبارة عن شرح لرسالة صوفية صغيرة اسمها “منازل السائرين إلى مقامات: إياك نعبد وإياك نستعين” لشيخ الإسلام إسماعيل الهروي الحنبلي. هذا الكتاب في ثلاثة مجلدات، يرجع فيه إلى الكتاب والسنة، ونستطيع أن نقرأه ونستفيد منه باطمئنان كبير.. والحقيقة أن كل إنسان يؤخذ من كلامه ويترك، والحكم هو النص المعصوم من كتاب الله ومن سنة رسوله. فنستطيع أن نأخذ من الصوفية الجوانب المشرقة، كجانب الطاعة لله. وجانب محبة الناس بعضهم بعضًا، ومعرفة عيوب النفس، ومداخل الشيطان، وعلاجها، واهتمامهم بما يرقِّق القلوب، ويذكِّر بالآخرة. نستطيع أن نعرف عن هذا الكثير عن طريق بعض الصوفية كالإمام الغزالي مع الحذر من شطحاتهم، وانحرافاتهم، وغلوائهم، ووزن ذلك بالكتاب والسنة، وهذا لا يقدر عليه إلا أهل العلم وأهل المعرفة. ولهذا أنصح الرجل العادي بأن يرجع في معارفه إلى العلماء السلفيين المعتدلين الذين يرجعون في كل ما يقولون إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. والله أعلم