السؤال:

ما هو عدد الرضعات التي يحرُم بسببها الزواج؟

الجواب:

قال تعالى في آية المحرّمات من النّساء:( وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعِة) [ سورة النساء : 23 ] .
والرضاع المحرِّم للمصاهرة اختلف الفقهاء في عدد مراته، ويتلخص ذلك فيما يلي:
1 ـ قليل الرضاع وكثيره سواء في التحريم، أي بالمرّة الواحدة والمرّات الكثيرة، وبالقدر القليل في الرضعة الواحدة والكثير منها، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة. وزعم الليث بن سعد أن المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر به الصائم، وهذا القول رواية عن أحمد.
وحجتُهم أن الله علَّق التحريم باسم الرّضاعة، فحيث وجد اسمها وجد حكمها،ولأنّه فعل يتعلق به التحريم فاستوى قليله وكثيره، وذلك للاحتياط في الأبضاع بالذات، ولأن إنشاز العظم وإنبات اللحم يحصل بالقليل والكثير، ولأنّ القائلين بالعدد اختلفت أقوالهم في الرضعة وحقيقتها، ولأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما رفعت له قضية عقبة بن الحارث الذي تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، وجاءت أَمة سوداء فقالت: قد أرضعتهما، لم يسأل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن عدد الرضعات، وهو في الصحيحين عن عائشة.
2 ـ لا يثبت التحريم بأقلّ من ثلاث رضعات، وهو رواية ثانية عن أحمد بن حنبل، ودليل هذا الرأي حديث:” لا تُحَرِّم المصّة ولا المصّتان ” وفي رواية ” لا تُحَرِّم الإملاجة والإملاجتان ” رواه مسلم عن عائشة، وأقل مرتبة في التحريم بالعدد بعد المرتين هو الثلاثة.
3 ـ لا يثبت التحريم بأقل من خمس رضعات، وهو مذهب الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه، وقول ابن حزم الذي خالف داود الظاهري في هذه المسألة، وهو أحد الروايات الثلاث عن عائشة، والرواية الثانية عنها أنه لا يحرم بأقل من سبع رضعات، والثالثة لا يحرم بأقل من عشر.
وحجة القائلين بالخمس حديث عائشة في الصحيحين البخاري ومسلم: كان فيما نزل من القرآن” عشرُ رضعات يحرمن” ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفِّي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهن فيما يقرأ من القرآن، وما رواه مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لسهلة بنت سُهيل:” أرضعي سالمًا خمس رضعات تحرمي عليه” .
قالوا : عائشة أعلم الأمة بحكم هذه المسألة هي ونساء النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت عائشة إذا أرادت أن تدخل عليها أحدا أمرت إحدى بنات إخوتها أو أخواتها أن ترضعه خمس رضعات، وقالوا أيضًا: نفى التحريم بالرّضعة والرّضعتين صريح في عدم تعليق التحريم بالقليل والكثير، وهي ثلاثة أحاديث صحيحة صريحة. والتعليق بالخمس لا يخالف نصًّا، وإنما هو تقييد للمطلق، فهو بيان للقرآن لا نسخ ولا تخصيص. ومن علق التحريم بالثلاث خالف أحاديث الخمس، واختار القضاء المصري هذا الرأي وعليه الفتوى.
ثم إن القائلين بالرأيين الأولين ردّوا حديث عائشة؛ لأنّها نقلته نقل قرآن، ولا يقبل فيه الآحاد، بل لابد في قَبوله من التواتر، وعلى هذا لا يثبت به حكم مادام غير قرآن، ورد عليهم أصحاب الرأي الثالث بأن خبرها يقبل قبول الأحاديث ويكفي فيه خبر الواحد، لأنه مادام لم يقبل كقرآن فليس هناك إلا أن يقبل كحديث نبوي؛ لأنّه لا يصح نسبته إليها كقول خاصٍّ بها، فإن هذا الأمر لا يقال فيه بالرأي، ولذلك عده رجال الحديث من السنة النبوية. والموضوع مبسوط في كتاب ” زاد المعاد ” لا بن القيم ج4 ص 167 ـ 182 وملخص في الجزء الأول من ” موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام ” ص 361.
هذا، واشترط القائلون بالتحريم بتعدد الرضعات أن يكون العدد متيقنًا، ولو حدث شك في ذلك لا يثبت التحريم، ومن هنا أنبِّه مَن تقوم بإرضاع غير طفلها أن تسجل ذلك أو تُعْلِمَ به عددًا من الناس حتى يشتهر أمره، حتى لا يتمّ في المستقبل زواج بين أخوين من الرّضاعة في غيبة الأم المرضع أو نسيانها.
وأرى أنه عند الشكّ ـ وإن كان لا يثبت به التحريم ـ ألا يتمّ الزواج، ما لم تكن ضرورة أو حاجة مُلِحَّة.