السؤال:

اختلفنا في حكم اللعب بالشطرنج، ورجعنا إلي كتابك “الحلال والحرام” فرأيناك ذكرت أن الفقهاء قد اختلفوا فيه بين الإباحة والكراهة والتحريم.
وقد ملت إلي رأي من أباحه، ولكن بشروط ثلاثة: ألا تؤخر بسببه صلاة عن وقتها، وألا يخالطه قمار، وأن يحفظ اللاعب لسانه حال اللعب من السب والفحش والأيمان الكاذبة ونحوها.
فإذا فرط في هذه الثلاثة أو بعضها اتجه القول إلي التحريم.
هذا ما قرأناه في كتابك، ولكن واحدًا منا، زعم أنك متساهل في الفتوي وتميل إلي التحليل أكثر من التحريم.
والذي نرجوه منك أن تبين لنا الحكم في هذه اللعبة بيانًا شافيًا، بأدلته من النصوص والقواعد الشرعية، فكثير من الناس في إجازتهم وعطلهم يتسلون بمثل هذا اللون من اللهو، بدعوي أنهم يشغلون به وقت الفراغ الطويل، ويستغنون به عن الخوض في أعراض الناس، الذي غدا فاكهة المجالس، ومحور الحديث بين الناس إذا تلاقوا.
نسأل الله أن يشرح صدرك لهذا البيان، فينتفع به الكثيرون، ولك منا الشكر، ومن الله الأجر إن شاء الله.

الجواب:

هذا السؤال من الأخوة في الإسلام يذكرني بلقاء فقهي وفكري مفتوح، دعت إليه “جمعية الإصلاح” في البحرين منذ عدة أشهر من سنة 1408 هـ، وقد بدأ اللقاء بورقة قدمها أحد الأخوة هي أشبه بعريضة اتهام لي، ولكن في صورة كريمة من الأدب والحب والتقدير، ولهذا لم أجد فيها أي إزعاج لي، بل رددت عليها بكل صراحة ووضوح في شريط مسجل منتشر.
وكان من أوائل الأسئلة: أني آخذ جانب التسهيل في الفتوي، وأميل إلي التحليل أكثر مما أميل إلي التحريم.
وأذكر أني قلت: أني أستطيع أن أقلب الاتهام فأقول عن الآخرين: إنهم يشددون علي الناس في فتواهم، فيعسرون بذلك ولا ييسرون، وهذا خلاف ما أوصي به النبي -صلي الله عليه وسلم-، حين قال: “يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا” (متفق عليه من حديث أنس). وقال: “إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين” (رواه البخاري والترمذي عن أبي هريرة وقال: حسن صحيح).
وأنهم يميلون إلي التحريم في حين أن الإسلام يميل إلي التحليل، وإلي تقليل التكاليف، ولهذا قال تعالي: (يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) (المائدة: 101). وقال -صلي الله عليه وسلم-: “ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم لكثرة أسئلتهم واختلافهم علي أنبيائهم”. (متفق عليه عن أبي هريرة).
وقال: “ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسي شيئًا” ثم تلا: (وما كان ربك نسيًا). (مريم: 64).
وقد أنكر القرآن بشدة علي الذين يحرمون بغير إذن من الله (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالاً قل آلله أذن لكم أم علي الله تفترون). (يونس: 59).
ومعتمدي في التيسير: أن النبي -صلي الله عليه وسلم- ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما.
فكيف إذا كان التيسير هو الذي تعضده الأدلة، وهو المعبر عن روح الشريعة ؟ كما أنه الملائم لحاجات الناس وروح العصر، وإعطاء صورة سمحة لغير المسلمين عن الإسلام، وهذا ما صرح به الرسول -صلي الله عليه وسلم- حين انتهر أبو بكر الجاريتين المغنيتين في بيت عائشة، فقال: “دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد” (رواه البخاري ومسلم والنسائي). “لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، وإني بعثت بحنيفية سمحة”. (رواه الإمام أحمد في: المسند).
كما يذكرني سؤال الأخوة هنا بمقال غاضب هائج مليء بالحشو والإسفاف، خلا من كل أدب للحوار، هو من أغرب وأعنف ما قرأت في نقد كتابي “الحلال والحرام” وقد ترجمه لي أحد الأخوة (هو الزميل الكريم الأستاذ الدكتور: محمد كمال جعفر، أستاذ العقيدة والفلسفة ورئيس قسم العقيدة والأديان، بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، بجامعة قطر، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى في رمضان (1408 هـ) غفر الله له، وجزاه خيرًا، وتقبله في الصالحين من عباده، وقد ترجم المرحوم أكثر المقال ولم يتحمل ترجمة الباقي لخفته وسوء أدبه). من مقال في صحيفة تصدر في جنوب إفريقيا، لأحد المشايخ المسلمين هناك، وهو مقال طويل، اشتمل على خلط وخبط، وتطاول وادعاء، دون دراسة أو معرفة بكتاب الله، ولا بأحاديث رسول الله، ولا بأصول الفقه، ولا بمذاهب أئمته، وأقوال علمائه، ومعرفة ما اتفقوا عليه، وما اختلفوا فيه، وقد قال علماؤنا بحق: من لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه. وقالوا: من لم يعرف اختلاف العلماء لم تشم أنفه رائحة العلم !
ولو كان كاتب المقال علي شيء من العلم لعلم أنه لا إنكار في المسائل الاجتهادية الخلافية؛ لأن لكل فيها رأيه ودليله، ولو كان مجتهدًا لم يجز له أن ينكر علي أئمة مجتهدين أعلام، فكيف وهو في أسفل قاع التقليد ؟!
وقد تحدث المقال عن لعب “الشطرنج” كأنه حرام بين مجمع علي حرمته بل كأنه كبيرة من الكبائر !
وأنكر بشدة ردي للأحاديث المرفوعة التي رويت في تحريم الشطرنج، ودعا بالويل والثبور وعظائم الأمور، علي كل من ينكر حديثًا رواه الفقهاء في كتبهم ! فإن هذا اتهام للفقهاء بالتزوير، والكذب علي الرسول -صلي الله عليه وسلم-! (جهل هذا المسكين أن في كثير من الكتب الفقهية أحاديث واهية، وأخري لا أصل لها، وثالثة موضوعة مكذوبة. ومن أجل هذا عني المحدثون بتخريج الأحاديث المعلقة في كتب الفقه مثل: “التحقيق” لابن الجوزي، و “تنقيحه” لابن عبد الهادي، و “نصب الراية” للزيلعي، و “تلخيص الحبير” لابن حجر، وغيرها).
وزعم صاحب المقال أني أبيح الشطرنج بإطلاق، وهذا إما كذب واضح، وإما جهل فاضح، فإني لم أبحه إلا بشروط ذكرها العلماء المعتبرون، فنقلتها عنهم.
مذهب الحنفية:
ومعظم العلماء في جنوب إفريقيا إنما هم من مهاجري الهنود الذين ينتسبون إلي المذهب الحنفي، والمفروض في كاتب المقال “الشطرنج والإسلام” أن يكون حنفي المذهب، ولكن يبدو من إرغائه وإزباده أنه لم يقرأ كتب المذهب، بل لم يقرأ المتون المشهورة المعتمدة فيه، مثل كتاب “القدوري” و “الهداية” و “الكنز” و “المختار” و “تنوير الأبصار” وغيرها، ناهيك بشروحها !
فهذه المتون تعرضت للعب الشطرنج في كتاب “الشهادات” عند الحديث عمن لا تقبل شهادته، وأحيانًا في كتاب “الكراهية” أو “الحظر والإباحة” علي اختلاف التسميات عند الحنفية.
وقد أجمع هذه المتون علي أن الذي يقامر بالشطرنج، هو الذي تسقط عدالته، وترد شهادته؛ لأنه ارتكب حرامًا، بل كبيرة، لدخول الميسر -وهو القمار- في اللعب، والميسر قرين الخمر، في كتاب الله تعالي.
وبعضهم أضاف إلي المقامرة أمورًا أخري كل واحد منها كاف لإسقاط عدالته، كأن تفوته بسبب الاشتغال به الصلاة، أو يكثر من الأيمان الكاذبة عليه. أو يلعب به في الطريق لمخالفته للمروءة، أو يذكر عليه فسقًا أو يدمنه ويداوم عليه. (انظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه 4/383 ط بيروت- مصورة عن ط بولاق).
قال في “الهداية”: (فأما مجرد اللعب بالشطرنج فليس بفسق مانع من الشهادة؛ لأن للاجتهاد فيه مساغًا). (الهداية مع فتح القدير 6/38).
ولما قرن متن “الكنز” بين النرد والشطرنج في أن من يقامر بهما أو تفوته بسببهما الصلاة ترد شهادته، قال شارحه ابن نجيم في “البحر”: (ظاهر تقييده بما ذكر استواء النرد والشطرنج، وليس كذلك فإن اللعب بالنرد مبطل للعدالة مطلقًا، كما في “العناية” وغيرها، للإجماع علي حرمته، بخلاف الشطرنج؛ لأن للاجتهاد فيه مساغا؛ لقول مالك والشافعي بإباحته، وهو مروي عن أبي يوسف، كما في “المجتبي” من الحظر والإباحة، واختارها ابن الشحنة إذا كان لإحضار الذهن، واختار أبو زيد الحكيم حله، ذكره شمس الأئمة السرخسي. (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 7/91).
ولنعد إلي بحث الموضوع من أساسه.
متي ظهر الشطرنج في الحياة الإسلامية ؟ :
الشطرنج -بكسر الشين وقد تفتح- لعبة تلعب علي رقعة ذات أربعة وستين مربعًا، وتمثل دولتين متحاربتين باثنتين وثلاثين قطعة، تمثل الملكين والوزيرين والخيالة والقلاع والفيلة والجنود … (هندية) .
هذا ما عرفها به “المعجم الوسيط”.
وقد اتفق العلماء من فقهاء ومفسرين ومحدثين وشراح علي أنها لم تعرف عند العرب في زمن النبي -صلي الله عليه وسلم-، وإنما عرفوها بعد الفتح (ذكر ذلك الحافظ الحجة ابن كثير في “إرشاده” كما في نيل الأوطار 8/259 ط دار المعرفة- بيروت)، فقد نقلوها عن الفرس الذين كانوا قد نقلوها عن الهنود.
قيمة الأحاديث الواردة فيه:
ونظرًا؛ لأنه لم يكن في عصر النبوة لم يثبت عن النبي -صلي الله عليه وسلم- حديث في شأنه، وإن رويت فيه أحاديث من نوع “إن لله عز وجل في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة ليس لصاحب الشاه (الشاه بالفارسية هو: الملك. ومعروف في الشطرنج أن اللعبة تنتهي إذا قضي أحد الخصمين علي ملك الآخر). منها نصيب” رواه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي، وحكم الألباني بوضعه في “الإرواء” رقم “2671”.
ومثله ما رواه الديلمي عن ابن عباس رفعه: “ألا إن أصحاب الشاه في النار: الذين يقولون: قتلت والله شاهك”.
وعن أنس مرفوعا: “ملعون من لعب بالشطرنج”.
وعن علي مرفوعا: “يأتي علي الناس زمان يلعبون بها، ولا يلعب بها، إلا كل جبار، والجبار في النار”.
قال الحافظ ابن كثير: والأحاديث المروية فيه لا يصح منها شيء ويؤيد هذا ما تقدم من أن ظهوره كان في أيام الصحابة. (ذكر هذه الأحاديث وتعقيب ابن كثير العلامة الشوكاني في: “نيل الأوطار” 8/259).
ومن هنا لم يستدل أحد من الأئمة الذين ذهبوا إلي تحريمه بشيء من هذه الأحاديث، ولو كان لها قيمة علمية عندهم لاستندوا إليها، إنما استدل بها بعض المتأخرين.
وقال الإمام أحمد رغم تشديده فيه: أصح ما في الشطرنج قول علي -رضي الله عنه- (المصدر السابق)، يعني أنه لم يثبت فيه شيء مرفوع إلي النبي -صلي الله عليه وسلم- وسيأتي أن قول علي نفسه غير ثابت عنه.
سبب الاختلاف في حكمه:
ولعدم وجود نص شرعي في شأن لعبة الشطرنج يبين الحكم، ويحسم الأمر، اختلف الفقهاء في حكمه، ما بين مبيح له، وكاره، ومحرم، كمعظم المسائل التي لا توجد فيها نصوص بينه ملزمة، وهذا من فضل الله علي الناس، ولطفه بهم، وتيسيره عليهم، أن سكت عن أشياء، رحمة بهم غير نسيان (وما كان ربك نسيًا). (مريم: 64).
قال العلامة ابن حجر الهيثمي في شرحه لمنهاج النووي، في شأن الأحاديث المحكية في ذم الشطرنج: (قال الحافظ: لم يثبت منها شيء من طريق صحيح ولا حسن. وقد لعبه جماعة من أكابر الصحابة، ومن لا يحصي من التابعين ومن بعدهم.
قال: وممن كان يلعبه غبا: سعيد بن جبير -رضي الله عنه- (تحفة المحتاج في شرح المنهاج، وحواشي الشرواني وابن قاسم عليها 10/217). ومعني غبًا أي قليلاً.
مذهب الشافعية في الشطرنج:
وقد عرفنا مذهب الحنفية في شأن الشطرنج، ومذهب الشافعية أكثر تيسيرًا في حكمه، كما هو مشهور عنهم.
قال الإمام النووي في “الروضة”:
(اللعب بالشطرنج مكروه: وقيل: مباح لا كراهة فيه. ومال الحليمي إلي تحريمه، واختاره الروياني. والصحيح الأول) (الروضة 11/225 ط المكتب الإسلامي). يعني الكراهة، والظاهر: أنها الكراهة التنزيهية، فهذا هو المتبادر عند الشافعية.
وهذا ما نص عليه في “المنهاج” أيضًا حيث قال: (ويحرم اللعب بالنرد علي الصحيح، ويكره بشطرنج). (إنما قال: علي الصحيح لأنه في وجه آخر: أنه مكروه كما في الروضة ص 226).
قال في “التحفة”: (ونازع البلقيني في كراهته بأن قول الشافعي: لا أحبه، لا يقتضيها). (التحفة مع حواشيها 10/216، 217).
وقال النووي في الروضة بعد أن صح القول بالكراهة: (فإن اقترن به قمار أو فحش أو إخراج صلاة عن وقتها عمدًا، ردت شهادته بذلك المقارن -أي لا باللعب نفسه- وإنما يكون قمارًا إذا شرط المال من الجانبين، فإن أخرج أحدهما ليبذله إن غلب، ويمسكه إن غلب، فليس بقمار، ولا ترد به شهادته، ولكنه عقد مسابقة علي غير آلة قتال، فلا يصح، ولو لم تخرج الصلاة عن الوقت عمدًا، ولكن شغله اللعب به حتي خرج، وهو غافل، فإن لم يتكرر ذلك منه لم ترد شهادته، وإن كثر منه فسق، وردت شهادته، بخلاف ما إذا تركها ناسيًا مرارا؛ لأنه هنا شغل نفسه بما فاتت به الصلاة. هكذا ذكروه، وفيه إشكال، لما فيه من تعصية. (أي الحكم بأنه عاص؛ لأنه حينئذ غير معذور بغفلته ونسيانه، وقد أجاب الإمام الشافعي في الأم عن هذا الاستشكال بقوله: فإن قيل: فهو لا يترك وقتها للعب إلا وهو ناس ! قيل: فلا يعود للعب الذي يورث النسيان، فإن عاد له وقد جربه أنه يورثه ذلك، فذلك استخفاف. (الأم 6/213 ط. الشعب القاهرة) . قال في التحفة: وحاصله أن الغفلة نشأت من تعاطيه للفعل الذي من شأنه أن يلهي عن ذلك، فكان كالمتعمد لتفويته. ويجري ذلك في كل لهو ولعب مكروه، ومشغل -أي شاغل- للنفس ومؤثر فيها تأثيرًا يستولي عليها، حتي تشتغل به عن مصالحها الأخروية بل يمكن أن يقال ذلك في شغل بكل مباح؛ لأنه كما يجب تعاطي مقدمات الواجب، يجب تعاطي ترك مفوتاته، والكلام فيمن جرب نفسه أن اشتغاله بذلك المباح يلهيه حتي يفوت به الوقت. أ هـ. التحفة 10/217). الغافل اللاهي، ثم قياسه الطرد في شغل النفس بغيره من المباحات). (الروضة 11/226).
والأولي أن نذكر هنا كلمة الشافعي بنصها من “الأم” قال رضي الله عنه: (يكره- من وجه الخبر- اللعب بالنرد أكثر مما يكره اللعب بشيء من الملاهي، ولا نحب اللعب بالشطرنج وهو أخف من النرد، ويكره اللعب بالحزة والقرق، وكل ما للعب الناس؛ لأن اللعب ليس من صنعة أهل الدين ولا المروءة، ومن لعب بشيء من هذا علي الاستحلال له لم ترد شهادته، والحزة تكون قطعة خشب فيها حفر بها يلعبون بها، إن غفل به عن الصلوات فأكثر حتي تفوته ثم يعود له حتي تفوته، رددنا شهادته علي الاستخفاف بمواقيت الصلاة، كما نردها لو كان جالسًا فلم يواظب علي الصلاة من غير نسيان ولا غلبة علي عقل). (الأم 6/213 ط الشعب).
مذهب مالك في اللعب بالشطرنج:
وفي مذهب مالك نجد الإمام ابن رشد “الجد” ينقل عن العتيبية” في “البيان والتحصيل”: (سئل مالك عن اللعب بالشطرنج فقال: لا خير فيه وليس بشيء وهو من الباطل، واللعب كله من الباطل، لينبغي لذي العقل أن تنهاه اللحية والشيب والسن عن الباطل، وقد قال عمر بن الخطاب لأسلم في شيء: أما آن أن تنهاك لحيتك هذه ؟ قال أسلم: فمكثت زمانًا طويلاً وأنا أظن أن ستنهاني). (البيان والتحصيل 18/436).
وسئل مالك أيضًا عن الرجل يلعب مع امرأته في البيت بالأربعة عشر، قال: ما يعجبني ذلك، وليس من شأن المؤمن اللعب، لقول الله تبارك وتعالي: (فماذا بعد الحق إلا الضلال) (يونس: 32).
وعلق علي ذلك ابن رشد فقال: (الأربعة عشر قطع معروفة كان يلعب بها كالنرد، وهو النردشير الذي قال فيه رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: “من لعب بالنرد فقد عصي الله ورسوله” (سيأتي تخريجه بعد). و “من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير” (سيأتي تخريجه بعد). وكذلك الشطرنج له حكمه، وقد قال فيه الليث بن سعد: إنه شر من النرد، فاللعب بشيء من ذلك كله علي سبيل القمار والخطر لا يحل ولا يجوز بإجماع من العلماء؛ لأنه من الميسر الذي قال الله فيه: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) (المائدة: 93). وأما اللعب بشيء من ذلك كله علي غير وجه القمار فلا يجوز؛ لأن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: “من لعب بالنرد فقد عصي الله ورسوله” فعم ولم يخص قمارًا من غيره. فمن أدمن اللعب بشيء من ذلك كله كان قدحًا في إمامته وشهادته، وقد كان عبد الله بن عمر إذا رأى أحدًا من أهله يلعب بالنرد ضربه وكسرها. وبلغ عائشة رضي الله عنها: أن أهل بيت في دارها كانوا سكانًا فيها عندهم النرد، فأرسلت إليهم: “لئن لم تخرجوه لأخرجنكم من داري” وأنكرت ذلك عليهم، ذكر ذلك مالك في موطئه.
قال: ولا فرق في ذلك كله بين لعب الرجل به مع أجنبي في بيته أو في غير بيته، وبين لعبه به مع أهله في بيته. إن كان علي الخطار والقمار، فذلك حرام بإجماع، وإن كان علي غير القمار فهو من المكروه الذي تسقط شهادته من أدمن اللعب به، وهو الذي قال مالك فيه في هذه الرواية: ما يعجبني ذلك، وليس من شأن المؤمن اللعب، لقول الله تبارك وتعالي: (فماذا بعد الحق إلا الضلال) فهذا من الباطل، وبالله تعالي التوفيق). (البيان والتحصيل 17/577، 578).
وكلمة “الباطل” لا تعني أنه حرام، بل تعني أنه من اللهو واللعب وليس كل لهو ولعب حرامًا، وإن قال بذلك بعض المالكية، وأخذا من كلام مالك (انظر: الشرح الصغير للدردير وحاشية الصاوي عليه). وهو لا يفيد ذلك.
كيف وهو يقول عن الشطرنج: لا خير فيه، وليس بشيء، ولا يعجبني، وأنه لا يليق بذي اللحية والشيب والسن، وهذا كله لا يدل علي أكثر من الكراهية التنزيهية.
مذهب الحنابلة:
وأما مذهب الحنابلة، فيعبر عنه الإمام ابن قدامة في “المغني” فيقول: (كل لعب فيه قمار فهو محرم، أي لعب كان، وهو من الميسر الذي أمر الله تعالي باجتنابه، ومن تكرر منه ذلك ردت شهادته، وما خلا من القمار- وهو اللعب الذي لا عوض فيه من الجانبين ولا من أحدهما- فمنه ما هو محرم، ومنه ما هو مباح، فأما المحرم فاللعب بالنرد، وهذا قول أبي حنيفة وأكثر أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: هو مكروه غير محرم.
واستدل ابن قدامة لمذهبه بالحديثين اللذين ذكرهما ابن رشد من قبل.
قال: (إذا ثبت هذا، فمن تكرر منه اللعب به لم تقبل شهادته، سواء لعب به قمارًا أو غير قمار، وهذا قول أبي حنيفة ومالك وظاهر مذهب الشافعي.
فأما الشطرنج فهو كالنرد في التحريم، إلا أن النرد أكد منه في التحريم؛ لورود النص في تحريمه، لكن هذا في معناه، فيثبت فيه حكمه، قياسًا عليه.
وذكر القاضي حسين: ممن ذهب إلي تحريمه: علي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والقاسم، وسالمًا، وعروة، ومحمد بن علي بن الحسين، ومطر الوراق، ومالكًا، وقول أبي حنيفة.
وذهب الشافعي إلي إباحته، وحكي ذلك أصحابه عن أبي هريرة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، واحتجوا بأن الأصل الإباحة، ولم يرد بتحريمها نص، ولا هي في معني المنصوص عليه، فيبقي علي الإباحة، ويفارق الشطرنج النرد من وجهين:
أحدهما: أن في الشطرنج تدبير الحرب، فأشبه اللعب بالحراب، والرمي بالنشاب والمسابقة بالخيل.
والثاني: أن المعول في النرد علي ما يخرجه الكعبتان، فأشبه الأزلام والمعول في الشطرنج علي حذقه وتدبيره، فأشبه المسابقة بالسهام.
ولنا قول الله تعالي: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه). (المائدة: 90).
قال علي رضي الله عنه: الشطرنج من الميسر.
ومر علي -رضي الله عنه- علي قوم يلعبون بالشطرنج فقال: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) .
قال أحمد: أصح ما في الشطرنج قول علي رضي الله عنه.
وروي واثلة بن الأسقع -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: “إن الله عز وجل ينظر في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة ليس لصاحب الشاه فيها نصيب” رواه أبو بكر بإسناده؛ ولأنه لعب يصد عن ذكر الله تعالي وعن الصلاة، فأشبه اللعب بالنرد.
وقولهم: لا نص فيها، قد ذكرنا فيها نصًا، وهي أيضًا في معني النرد المنصوص علي تحريمه، وقولهم: إن فيها تدبير الحرب، قلنا: لا يقصد هذا منها، وأكثر اللاعبين بها إنما يقصدون منها اللعب أو القمار، وقولهم: إن المعول فيها علي تدبيره، فهو أبلغ في اشتغاله بها وصدها عن ذكر الله والصلاة.
إذا ثبت هذا؛ فقال أحمد: النرد أشد من الشطرنج، وإنما قال ذلك لورود النص في النرد، والإجماع علي تحريمه، بخلاف الشطرنج، وإذا ثبت تحريمه فقال القاضي: هو كالنرد فرد الشهادة به، وهذا قول مالك وأبي حنيفة. (قد نقلنا أقوال المذهبين من قبل)؛ لأنه محرم مثله.
وقال أبو بكر: إن فعله من يعتقد تحريمه فهو كالنرد في حقه، وإن فعله من يعتقد إباحته لم ترد شهادته، إلا أن يشغله عن الصلاة في أوقاتها، أو يخرجه إلي الحلف الكاذب، ونحوه من المحرمات، أو يلعب بها علي الطريق، أو يفعل في لعبه ما يستخف به من أجله ونحو هذا مما يخرجه عن المروءة، وهذا مذهب الشافعي، وذلك لأنه مختلف فيه، فأشبه سائر المختلف فيه). (المغني 9/172، 173 المطبعة اليوسفية).
أدلة القائلين بتحريم الشطرنج:
تلك هي مذاهب الأئمة، وأقوال الفقهاء، في حكم الشطرنج، وهي تختلف ما بين الإباحة بشروط والكراهة، والتحريم.
وإذا نظرنا إلي ما استند إليه الذين شددوا ومالوا إلي التحريم، نجد أدلتهم تتركز فيما يلي:
قوله تعالي: (يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) . وقول علي: “الشطرنج من الميسر”.
ما ورد من أحاديث في ذم الشطرنج والوعيد عليه، ولعن أهله، مثل ما ذكره ابن قدامة في “المغني”، وما ذكرناه من قبل مما رواه ابن أبي الدنيا والديلمي وغيرهما.
ما ورد في النهي عن “النرد” أو “النردشير” مثل:
حديث أبي موسي: “من لعب النردشير فقد عصي الله ورسوله”. (الحديث أخرجه مالك في الموطأ 2/958/6 وأحمد في المسند 4/394، 397، 400، وأبو داود (4938)، وابن ماجة (3762)، والحاكم 1/50 وصححه علي شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. كما رواه البخاري في كتاب الأدب المفرد).
وكذلك حديث بريدة: “من لعب النردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه”.(رواه مسلم في كتاب الشعر برقم (2260) وأبو داود (4939) وابن ماجة 3763) . والنردشير هو: النرد. فارسي معرب. وشير معناه: حلو.
وقد انعقد الإجماع علي تحريم النرد، قامر به، أو لم يقامر.
حديث: “كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه وملاعبته أهله، فإنهن من الحق”. (رواه الترمذي (1637) عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، وهو مرسل، وفيه عنعنة ابن إسحاق، لكنه روي عن عتبة بن عامر مثله، وإن لم يذكر لفظه، وقال: حسن صحيح، وهو عند أبي داود (2513) والنسائي في الجهاد، وابن ماجة (2811) ووصفه العراقي في تخريج الإحياء بأنه مضطرب).
والشطرنج خارج عن هذه الثلاثة، فهو باطل، والباطل حرام.
ما جاء عن الصحابة أنهم أنكروه، ومنه ما روي أن عليًا -رضي الله عنه- مر علي قوم يلعبون الشطرنج فقال: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) !.
القياس علي النرد، فكلاهما لهو ولعب، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، بل ذهب بعضهم إلي أن الشطرنج شر من النرد في هذا؛ لأنه يشغل فكر صاحبه وقلبه أكثر مما يشغله النرد.
مناقشة أدلة المحرمين:
والمتأمل في هذه الأدلة التي اعتمد عليها القائلون بتحريم الشطرنج، يجد أن شيئًا منها لا يثبت للنقد، ولا يمكن أن يعتمد عليه في التحريم الذي ينبغي الاحتياط فيه، حتي لا نحرم ما أحل الله.
آية سورة المائدة:
فأما الاستدلال بأية سورة المائدة التي دلت علي تحريم الخمر والميسر، فلا نزاع في أن الميسر محرم كالخمر، وفيه إثم كبير بنص القرآن، فهو من الكبائر، وليس مجرد حرام.
ولكن أين الدليل علي أن الشطرنج من الميسر ؟
سيقولون: قول علي: إنه من الميسر، وسيأتي أن هذا القول عن علي لم يثبت.
علي أنه لو سلمنا بثبوته لحمل علي أنه من الميسر إذا لعب علي قمار، لا لمجرد اللهو والتسلية.
أحاديث ذم الشطرنج والوعيد عليه:
أما أحاديث ذم الشطرنج والوعيد الشديد عليه، ولعن فاعله .. إلخ، فقد بين الأئمة من نقاد الحديث أن شيئًا منها لم يثبت، ولم يقل إمام من أئمة الحديث بصحة حديث واحد منها، ولا بحسنه، وقد نقلنا قول الإمام أحمد، وقول ابن كثير وغيرهما.
وشيخ الإسلام ابن تيمية رغم تشدده جدًا في أمر الشطرنج لم يستدل بحديث واحد منها إنما اعتمد علي أنه يلهي عن ذكر الله وعن الصلاة.
أحاديث تحريم النرد:
فأما الأحاديث التي دلت علي تحريم النرد، فنحن نسلم بها، وإن كان الحديث الأول عن أبي موسي في سنده انقطاع، وقد روي موقوفًا من قوله كما ذكر ابن كثير في تفسير آية: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام …) وله شاهد لم يسلم من مقال، ولهذا قال الشيخ الألباني في تخريج منار السبيل: لا بأس به في الشواهد والمتابعات “حديث 2670”.
ويكفينا حديث بريدة عند مسلم: “فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه” وغمس اليد في لحم الخنزير مقدمة إلي أكله، وفيه إشارة إلي التحريم، كما قال الشوكاني؛ لأن التلوث بالنجاسات من المحرمات (نيل الأوطار 8/258 ط. دار المعرفة، بيروت)؛ ولأنه قد يؤدي إلي الميسر، وهو من الكبائر.
والمذاهب الأربعة وجمهور العلماء مجمعون علي تحريم النرد، قال الشوكاني: (وقد كرهها عامة الصحابة، وروي أنه رخص فيها ابن المسيب وابن مغفل علي غير قمار). (نفسه ص 259).
وكلام الإمام الشافعي الذي نقلناه من قبل لا يدل علي تحريمه. وقد صرح بعض الشافعية بكراهته فقط.
وعلي كل حال فتحريم النرد هو الراجح، وأنا لا أنازع فيه، ولكن الذي أنازع فيه أن يقال: الشطرنج هو النرد، أو هو منه.
فالنرد لعبة معروفة من لعب الفرس، وقد نقلت إلي العرب قبل الإسلام، وعرفوها، ولهذا جاءت فيها أحاديث وآثار صحاح وحسان.
وهو الذي يسمي (الزهر) ويطلق عليه في مصر “الطاولة” قال في المعجم الوسيط: النرد لعبة ذات صندوق وحجارة وفصين، تعتمد علي الحظ، وتنتقل فيها الحجارة علي حسب ما يأتي به الفص: الزهر. وتعرف عند العامة بـ “الطاولة”.
أما الشطرنج، فهو لعبة أخري أصلها من الهند، ونقلت إلي فارس، ولم يعرفها العرب إلا بعد الفتح.
حديث: “كل ما يلهو به المسلم باطل .. “:
أما حديث: “كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل، إلا ..” فالباطل هنا ليس معناه الحرام كما قد يتوهم، وإنما الباطل ما ليس فيه فائدة دينية في ذاته، فهو أشبه بكلمة “اللغو”.
ولا ريب أن اشتغال المسلم بالحق وبالأمور النافعة أولي وأجدي، لما وصف به الله المؤمنين، بقوله: (والذين هم عن اللغو معرضون) المؤمنون: 3.
ولكن لا يعني هذا أن اللهو أو اللعب بغير الأمور الثلاثة المذكورة حرام؛ فقد لعب الحبشة ورقصوا في مسجده -صلي الله عليه وسلم- يوم العيد وهو ينظر إليهم ويشجعهم، وعائشة معه تنظر إليهم.
وقد حث عليه الصلاة والسلام أن يكون مع العرس لهو، إشاعة للبهجة والفرح حتي لا يكون عرسًا صامتًا. وشرع المصارعة والمسابقة علي الأقدام كمسابقته لعائشة، كما سبق بين الخيل وأعطي السابق.
وكلها خارج عن الثلاثة المذكورة.
وفي هذا المعني حديث آخر رواه النسائي في “كتاب عشرة النساء” والطبراني في “الكبير” عن جابر بن عبد الله، وجابر بن عمير الأنصاريين مرفوعًا بلفظ “كل شيء ليس من ذكر الله عز وجل فهو لغو ولهو، أو سهو، إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعلم السباحة”. (وجود المنذري في: “الترغيب” إسناده بعد أن عزاه للطبراني، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجال الطبراني رجال الصحيح، خلا عبد الوهاب بن بخت، وهو ثقة 6/269 وذكره الألباني في: سلسلة الأحاديث الصحيحة 315).
والنص هنا وضع كلمة “لغو ولهو” أو “سهو” موضع كلمة “باطل” في الحديث الآخر، مما يحدد المقصود بها، كما أضاف الحديث هنا إلي الثلاثة رابعًا وهو “السباحة” مما يدل علي أن الحصر في الثلاثة غير مراد.
وقد جاء عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- وهو من زهاد الصحابة ونساكهم: إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل، ليكون أقوي لها علي الحق.
وواضح أن مراده بالباطل هنا هو: اللهو واللعب، فهو يستعين به علي تنشيط نفسه للحق، بعد أن تأخذ شيئًا من الاستجمام والراحة، كما قال الشاعر:
والنفس تسأم إن تطاول جدها فاكشف سآمة جدها بمزاح
وقال الإمام أبو حامد الغزالي في كتاب “السماع” من “إحيائه” في الرد علي من احتجوا بالحديث المذكور علي تحريم الغناء كله: (قوله: “باطل” لا يدل علي التحريم، بل يدل علي عدم الفائدة، وقد يسلم ذلك، علي أن التلهي بالنظر إلي الحبشة خارج عن هذه الثلاثة، وليس بحرام، بل يلحق بالمحصور غير المحصور، كقوله -صلي الله عليه وسلم-: “لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدي ثلاث ..” فإنه يلحق به رابع وخامس. فكذلك ملاعبة امرأته لا فائدة له إلا التلذذ، وفي هذا دليل علي أن التفرج في البساتين، وسماع أصوات الطيور وأنواع المداعبات، مما يلهو به الرجل لا يحرم عليه شيء منها، وإن جاز وصفه بأنه باطل). (إحياء علوم الدين 2/285 ط دار المعرفة- بيروت، وانظر ما نقلناه عنه حول ذلك في فتوي “الغناء”).
وما قاله ابن حزم في الرد علي من قال: الغناء ليس من الحق فهو إذن من الباطل، من أن الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوي يقال هنا أيضًا.
فمن نوي باللعب ترويح النفس واستجمامها، لتستطيع مواصلة السير علي طريق الحق، واحتمال أعبائه وما أثقلها ! فهو محسن مأجور كما يؤجر في كل المباحات بنيته.
ومن لم يقصد إلا الترويح والترفيه دون أن يخطر بباله الاستعانة علي الطاعة، فقد أتي أمرًا مباحًا بشروطه.
ما جاء عن الصحابة في ذمه:
وأما ما جاء عن الصحابة، فليس فيها أثر متصل صحيح.
وقد ذكر الحافظ السخاوي في كتابه: “عمدة المحتج في حكم الشطرنج” أن الإمام أحمد قال: أصح ما في الشطرنج قول علي رضي الله عنه.
وقول علي يحتمل قوله حين مر علي لاعبي الشطرنج: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) ؟ !
ويحتمل ما رواه عنه جعفر بن محمد عن أبيه: الشطرنج من الميسر.
والأول ليس له إسناد صحيح أو حسن متصل، كما بين ذلك العلامة الألباني في “إرواء الغليل” بأن هذا الأثر لا يثبت عن علي، وأن خير أسانيده منقطع. (إرواء الغليل 8/288، 289 حديث 2672).
علي أن هذا الأثر لو صح لا يفيد التحريم جزمًا، إنما يفيد مجرد الإنكار علي الاشتغال بهذا اللهو، وإلا لو كان حرامًا ومنكرًا، لغيره بيده، فهو الإمام المسئول وبيده السلطة.
وأما الأثر الثاني فقد نقل الشوكاني عن ابن كثير قوله: هو منقطع جيد (نيل الأوطار 8/259). ولا حجة في منقطع لو كان مرفوعًا، فكيف وهو موقوف ؟
وقول الإمام أحمد: أصح ما في الشطرنج قول علي، لا يدل علي أنه صحيح عنده، بل يعني أنه أحسن من غيره، وإن كان ضعيفًا في نفسه، كما بين ذلك المحققون في قولهم: أصح ما في الباب كذا، أي أقل ضعفًا.
وما روي عن الصحابة في ذلك يعارض بعضه بعضًا، فقد روي عن ابن عباس وابن عمر وأبي موسي الأشعري وأبي سعيد وعائشة: أنهم كرهوه.
ورويت إباحته عن ابن عباس وأبي هريرة، وأضيف إليهم من التابعين ابن سيرين وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومن بعدهم هشام بن عروة بن الزبير. (المصدر السابق).
ولا حجة في قول أحد دون رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، ما لم يجمعوا علي أمر، فإنهم لا يجتمعون علي ضلالة.
ولم يثبت في الشطرنج بخصوصه حديث مرفوع بوجه، وقد ذكرنا من قبل قول الحافظ ابن كثير: (والأحاديث المروية فيه لا يصح منها شيء، ويؤيد هذا ما تقدم من أن ظهوره كان في أيام الصحابة). (المصدر السابق).
القياس علي النرد:
وأما من احتج علي تحريمه بقياسه علي النرد باعتبار علة التحريم هي اللهو واللعب، أو باعتباره شرًا من النرد باعتبار العلة الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهو أبلغ من النرد في ذلك -فهذا غير مسلم؛ لأنه قياس مع الفارق؛ فقد فارق النرد- كما قالوا- بأن الشطرنج معتمده الحساب الدقيق، والفكر الصحيح، ففيه تشحيذ الفكر، ونوع من التدبير، ومعتمد النرد الحدر والتخمين المؤدي إلي غاية من السفاهة والحمق. وقد قاسوا عليهما كل ما في معناهما من أنواع اللهو، فكل ما معتمده الحساب والفكر لا يحرم، وكل ما معتمده التخمين يحرم (انظر: تحفة المحتاج شرح المنهاج لابن حجر وحواشي الشرواني وابن قاسم عليه 10/216). فالمعول في النرد علي ما يخرجه الفصان، فأشبه الأزلام. والمعول في الشطرنج علي حذقه وتدبيره، فأشبه المسابقة بالسهام.
كما أضافوا إلي ذلك أنه يعين علي تدبير الحرب، وإدراك المعارك، فأشبه اللعب بالحراب، والرمي بالنشاب، والمسابقة بالخيل.
وهذا في الحقيقة غير مسلم؛ فليس هناك ارتباط بين إتقان لعبة الشطرنج وإتقان فن الحرب، وإدارة رحي القتال، وأمهر اللاعبين للشطرنج ربما لا يدري في فن الحرب شيئًا !
وحسبنا الفرق الأول، وهو مؤثر وكاف.
والقول بأنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة غير مسلم أيضًا، ما دام من يقول بإباحته يقيدها بشرط ألا يشغله عن الصلاة، أو أي واجب آخر ديني أو دنيوي.
وكثير من المباحات إذا استرسل الإنسان فيها، وخصوصًا المحببة منها إلي النفس، تشغل وتلهي عن ذكر الله، وعن الصلاة وعن الواجبات، وإذا لم يكن المسلم نير البصيرة، قوي الإرادة، ولكن هذا لا يجعلها محظورة بإطلاق، بل تباح بقيد عدم الإسراف فيها والاشتغال بها عما أوجب الله عليه.
فلو أن مسلمًا كان في أجازة ولديه فراغ وقت، فخصص للعب به وقتًا معينًا ليس فيه صلاة مفروضة كوقت الضحي -من التاسعة إلي الحادية عشرة مثلا- لم يكن في ذلك منع ولا تحريم، لا سيما أن بعض الناس يشتغل بها عن الغيبة والقيل والقال، مما يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب.
وكم تأتي علي الإنسان ظروف لا يجد فيها ما يشغل فراغه، إلا مثل هذا النوع من اللهو. وقد جربنا هذا في بعض الأوقات العصيبة التي مرت بنا في المعتقلات “سنة 1954-1956م”؛ فقد أخذت منا الكتب والأوراق والأقلام ثم أخذت المصاحف، ولم يبق معنا شيء نشغل وقتنا به، وهو يمضي بطيئًا ثقيلاً، فكل يوم كأنه شهر أو دهر، وبخاصة من كان له زوجة أو أولاد تركهم ولا يدري عنهم شيئًا، كما لا يدرون عنه شيئًا، فبأي شيء يشتغل هؤلاء المحبوسون المظلومون ؟
لا يمكن أن تكلف الناس أن يظلوا صباحهم ومسائهم مسبحين مهللين مكبرين؛ فالنفس البشرية لها طاقة، و (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) .
ولهذا لجأ إخواننا -داخل زنازين السجن الحربي- إلي عمل أحجار الشطرنج من قطع الصابون الرديء الذي يصرف لنا، واتخذوا منه وسيلة لتمضية الوقت عندما سمحت الأوضاع بذلك، فقد كان مثل هذا أيضًا من الممنوعات؛ لأن كل ما يريح أنفس المعتقلين أو يسليهم فالأصل فيه هو المنع والحظر، والمطلوب هو التكدير والتنغيص الدائم.
وأعتقد أن مثل هذه الظروف هي التي جعلت بعض التابعين مثل سعيد بن جبير والشعبي يلعبون بها، في فترة تواريهم عن الحجاج، بعد معركة “دير الجماجم” التي اشترك فيها الفقهاء مع القائد عبد الرحمن بن الأشعث ضد ظلم الحجاج وجبروته.
ففي هذه الفترة حيث لا يستطيع العالم الفقيه أن يتصدي للتعليم والفتيا والإرشاد لتواريه عن الأعين، وليس معه كتبه ومراجعه، لا بأس أن يلهو بمثل الشطرنج، حتي يكشف الله الغمة.
خلاصة القول: الإباحة بشروط:
وخلاصة القول الذي انتهي إليه البحث والنظر في الأقوال والأدلة هو الترجيح أن يكون الأصل في حكم الشطرنج هو الإباحة بالقيود والشروط التي ذكرها الشافعية والحنفية في كتبهم، وهي:
ألا يلعب بقمار، وإلا كان حرامًا، بل من الكبائر باتفاق.
ألا يلهي عن ذكر الله وعن الصلاة، أو أي واجب ناجز من أمور الدين والدنيا.
أن يمتنع من فحش القول ورديء الكلام وكثرة الحلف الذي يحدث كثيرًا بين اللاعبين.
ألا يلعب به علي الطريق، لما فيه من الإخلال بالمروءة.
ألا يكثر منه بحيث يصل إلي درجة الإدمان، الذي يشبه -إلي حد ما- إدمان الشرب.
وبعبارة أخري موجزة: ألا يؤدي إلي ترك واجب أو يستلزم فعل محرم، أو يخرج به عن حدود الاعتدال إلي الإسراف والإدمان، فإن الله لا يحب المسرفين.
ويسرني أن أختم هنا بكلمة مشرقة للعلامة رشيد رضا قرأتها أخيرًا في تفسير المنار قال رحمه الله:
(إن اللعب بالشطرنج إذا كان علي مال دخل في عموم الميسر، وكان محرمًا بالنص كما تقدم، وإذا لم يكن كذلك فلا وجه للقول بتحريمه، قياسًا علي الخمر والميسر، إلا إذا تحقق فيه كونه رجسًا من عمل الشيطان، موقعًا في العداوة والبغضاء، صدًا عن ذكر الله وعن الصلاة، بأن كان هذا شأن من يلعب به دائمًا أو في الغالب. ولا سبيل إلي إثبات هذا، وإننا نعرف من لاعبي الشطرنج من يحافظون علي صلواتهم، وينزهون أنفسهم عن اللجاج والحلف الباطل. وأما الغفلة عن الله تعالي فليست من لوازم الشطرنج وحده، بل كل لعب وكل عمل فهو يشغل صاحبه في أثنائه عن الذكر والفكر فيما عداه إلا قليلاً، ومن ذلك ما هو مباح وما هو مستحب أو واجب. كلعب الخيل والسلاح والأعمال الصناعية التي تعد من فروض الكفايات، ومما ورد النص فيه من اللعب لعب الحبشة في مسجد النبي -صلي الله عليه وسلم- بحضرته، وإنما عيب الشطرنج أنه من أشد الألعاب إغراء بإضاعة الوقت الطويل، ولعل الشافعي كرهه لأجل هذا، ونحمد الله الذي عافانا من اللعب به وبغيره، كما نحمده حمدًا كثيرًا أن عافانا من الجرأة علي التحريم والتحليل، بغير حجة ولا دليل). (تفسير المنار 8/62، 63).