السؤال:

شاعت بين الناس في هذه الأيام مَقُولة أن صوت المرأة عورةٌ، فهل معنى هذا أنه يَحْرُم على المرأة أن تُكَلِّم أيّ رجل أجنبي، وكيف يكون التفاهم معها عند الحاجة أو الضرورة ؟

الجواب:

صوت المرأة فيه نُقُولٌ مُخْتَلفة للفقهاء، فبعضها يُفِيد أنَّه عَوْرةٌ على الإطلاق، وبعضها يُفْهَم منه أنَّه ليس بعوْرة على الإطلاق، ويُمْكِن التوفيق بينها بما يأتي :
إنِّ صوت المرأة في حد ذاته ليس بعوْرة، ولو أنَّه كان عوْرةً في كل حالٍ لكان ذلك تَكْليفًا فيه عُسْر، والدين يُسْر، فهي في حاجة إلى الحديث والتفاهم في شئون شَتى مع غيرها من الرِّجال والنِّساء، وإنَّما العوْرة في لِينِه وإغْرَائِه، كما قال تعالى لنساء النَّبي صلى الله عليه وسلم ( فَلا تَخْضَعْن بالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذي فِي قَلْبِه مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا معروفاً ) ( الأحزاب : 33 ) فلم يمنعهن الكلام مطلقًا، بل أباحه إذا كان معروفًا لا يَحْمِل سوءًا، ومَنَعَهن الخضوعَ به حتى لا يَطْمَعَ الذي في قلْبه مرضٌ، لعدم قوة إيمانه وخوْفه من الله وحفاظه على الشَّرف والعِفَّة .
ومما يدل على ذلك أن كثيرًا من الصحابيات سَأَلْن النَّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أحكام الدِّين وبِحَضْرَة الرِّجال الأجانب، كأسماء بنت يزيد بن السَّكَن وافدة النِّساء، وكالمُبَايعات له ألَّا يُشْرِكْنَ بالله شيئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ … كما جاء في سورة الممتحنة : 12 وكان الصحابة يُكَلِّمون النساء وهُنَّ يُكَلِّمْنَهم . وحادثة ردِّ المرأة على عُمَر، وهو يدعو لعدم التغالي في المُهور معروفة، وهو على شِدَّته لم يُنْكِر عليها ذلك وسط الرجال، بل رجع إلى الحق وأنْصَفَها في اعترافها .
وثبت في صحيح مسلم أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق وعُمر الفاروق ـ رضي الله عنهما ـ زارا أمَّ أيْمَن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم . وعلَّق النَّوَوي على ذلك بجواز زيارة الرجل للمرأة وسماع كلامها، وما زال نساء السَّلَف يَرْوِين الأحاديث ويُعَلِّمْن النَّاس ويُفْتِين في الدين ” شرح صحيح مسلم ج13 ص10 ” .
يقول الإمام الغزالي ” الإحياء ج2 ص246 ” تَعْليقًا على سماع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للغِنَاء من الجارِيَتَيْن عند عائشة : فيَدلُّ هذا علي أن صوت النساء غير مُحَرَّمٍ تحريمَ صوتِ المَزَامِير، بل إنَّما يَحْرُم عند خوف الْفِتْنَة، وقال في ص 248 : وصوت المرأة في غير الغناء ليس بعوْرة، فلم تَزَل النساء في زمن الصحابة ـ رضى الله عنهم ـ يُكَلِّمْن الرجال في السلام والاسْتِفْتَاء والسُّؤال والمُشَاوَرة وغير ذلك .
وقال القُرْطبي في كتابه في السماع : ولا يَظُن من لا فِطْنَةَ عنده أنَّا إذا قُلْنا : صوت المرأة عوْرة أنَّا نريد بذلك كلامها ؛ لأن ذلك ليس بصحيح، فإنَّا نُجِيز الكلام مع النساء الأجانب ومحاورتهن عند الحاجة إلى ذلك، ولا نُجِيز لهن رفْع أصواتهن ولا تَمْطِيطها ولا تَلْيينها وتَقْطيعها، لما في ذلك من استمالة الرجال إليهن وتحْريك الشهوات منهم ( من فتوى الشيخ محمد بخيت المُطيعي مفتى الديار المصرية الأسبق ـ مجلة الإسلام مجلد 4 عدد 28 ) .
ومع ذلك فإنَّ من المُسْتَحْسَن أن يكون الكلام بين الجنسين في أضيق الحدود، وفي أمور لا تَجُر إلى فساد، فإن من طبيعة صوت المرأة الرِّقة، وفيها قَدْرٌ من الفتنة، ولو انضم إلى هذه الرِّقة الطبيعية رقة أخرى زادتها فتنة، وذلك ما يحتاط الشرع له، ولهذا كُرِه لها قراءة القرآن بصوت مُرْتَفع، كما لم يُشْرَع لها الأذان إلا للنساء فقط دون رفع صوتها، وإذا نابها في الصلاة شئ تريد أن تُنَبِّه عليه لا تُسَبِّح، يعني لا تقول كما يقول الرجال : سبحان الله، بل تُصَفِّق، كما ورد ذلك في صحيحي البخاري ومسلم .