السؤال:

مَضى على زَواجنا عِشرون سنة وأنا مُتمتّعة بحياة زوجيّة سعيدة، ولكنّ زوجي مَرِضَ مَرَضًا أحسستُ بأنني لا أُطيق البقاء معه، لقيامي على خدمته وضِيق ذات اليد عندنا، فهل من الجائز أن أطلبَ الانفصال عنه، أو الأفضل أن أظَلَّ معه مع المُعاناة الشديدة التي أعيشُ فيها؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

لا شكّ أن الحياة متقلِّبة بين اليُسر والعُسر، والصّحّة والمَرض، والمؤمن الصادِق يُثبت جَدارته بالحياة في كل الأحوال، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم ” عَجَبًا لأمر المؤمِن إنَّ أمره كلّه له خير ، وليس ذلك لأحد إلا المؤمِن، إن أصابتْه سرّاءَ شَكَر فكان خَيرًا له، وإن أصابته ضَرّاء صَبَرَ فكان خيرًا له” .

والزوجة تُقِرُّ بأنّها عاشت مع زوجها أيّاما سعيدة عندما كان صحيح الجسم وافِر الثّراء، فهل من المُروءة والإنسانيّة أن تتركه في مِحنته لتتزوّج غيره تكمِل معه مشوار الحياة سعيدة كما بدأته.

إن التي تفكِّر في ذلك تدخل تحت حكم الحديث الذي يَنهَى عن كُفران العَشير، فقد نَسِيَت ما قدَّمه لها زوجُها من خير، وتَبَخَّر بسرعة ما نَعِمَتْ به سنوات طِوالاً، وقد صحَّ في الحديث الذي رواه مسلم عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم النِّساء يوم العيد بكثرة التصدُّق، لأنَّ أكثرَهن حَطبُ جهنم، بسبب كثرة الشّكاةِ وكُفران العَشير ” لو أحسنتَ إلى إحداهِنَّ الدَّهْرَ ثم رأتْ منك شيئاُ قالت : ما رأيتُ منك خيرًا قط ” .

إن الزوجة الصالحة تُعين زوجها على نوائب الدهر لا أن تتخلّى عنه ، وكفى بالسيدة خديجة ـ رضي الله عنها ـ مثالاً رائعًا في صدق مَعونتها للنبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالقول والفعل والمال. وبهاجر أمِّ إسماعيل التي تحمّلت الوحدة وقاسَت البعدَ والألم طاعةً لأمر الله وأمر زوجها إبراهيم ، وبأم الدّحداح التي شجَّعت زوجها على التصَدُّق بالحديقة في سبيل الله، وبزينب الثَّقفيّة التي ساعدت زوجَها ابن مسعود بمالِها في حال إعساره، وبزينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم التي وفتْ لزوجها فخلَّصته من الأسر بأعزِّ ما تملِكه.

إن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلم نَهَى المرأةَ أن تطلُب الطَّلاق مِن زَوْجِها إلا إذا كان هناك سبب قاهِر يجعل الحياة متعذِّرة أو متعسِّرة، ففي الحديث الحسن الذي رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه ” أيُّما امرأةٍ سألت زوجَها طلاقًا من غير بأس فحَرام عليها رائحة الجَنّة ” . [1]

وفقَر الزوج المريض إنْ وصل إلى حد الإعسار بالنفقة الواجبة، هل يُجيز لها طلب التّفريق أو لا ؟ مذاهب الفقهاء في ذلك مختلفة، فقيل : يُجبَر على طلاقِها عند إعساره أو امتناعِه، وقيل: يؤجّل شهرًا ثم يُطلّق عليه الحاكم، وقيل : تُخَيَّر إن شاءتْ أقامَت وإن شاءت فَسخت، وقيل ليس لها الفسخ ولكن تَرْفَعُ يدَه عنها لتكتسب، وليس عليها أن تُمكِّنه من الاستمتاع بها.

 والاحتجاج لكل هذه الآراء طويل يمكن الرجوع إليه في كتاب زاد المعاد لابن القيم، الذي قال في ختام بحثه:

 والذي تَقتضيه أصول الشريعة أن الرجل إذا غَرَّر بالمرأة قبل الزواج بأنّه ذو مال ثُمَّ ظهر أنه مُفْلِسٌ، أو كان ذا مال وتَرك الإنفاق عليها ولم تَقدِر على أخذ كِفايتها من ماله بنفسِها أو بالحاكم فلها الفسخ، وإن تزوّجته وهي عالِمة بعُسره أو كان موسِرًا ثم أعسرَ فلا فَسخَ لها .

وهذا رأي جميل يُضمُّ إليه: أن تَرفَع يده عنها لتكتسب وتبقَى على عصمتِه، ولها أن تمتنعَ عن تمكينه من التمتُّع بها، فإن عجزت عن الاكتساب، أو وجدَتْ عنتًا فيه فأرى أنها تُخَيَّر بعد ذلك في البقاء معه أو الانفصال عنه إذا لاح لها في الأفق ما يوفِّر لها الحياة الكريمة.

والله أعلم.

[1] صححه الشيخ الألباني في صحيح وضعيف الترمذي.