السؤال:

هل من الإسلام أن تَعيش المرأة في البيت كمًّا مُهمَلاً، ينظر إليها بمِنظار أسود، وتُعامَل كجارية لا إحساسَ لها ولا شعور؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد

يقول فضيلة الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر ـ رحمه الله ـ في كتابه أحسن الكلام في الفتوى والأحكام:

من ميزة الإسلام أنه كرّم المرأة وأزال الصُّورة القاتمة التي صورت بها من قبلُ . وقرّر لها كثيرًا من الحقوق التي أضاعتْها هذه الصورة، واعتدّ بإنسانيّتِها التي سَلبتْها إيّاها بعضُ الأفكار وطبّقها بعض الدول ـ والله سبحانه أمرَ بمعاشَرتها بالمعروف كما دلّت على ذلك النصوص الكثيرة، ومن أهمِّ مظاهر هذه المعاشَرة التي تتصل بإحساسها وشعورها:
1- صَون اللِّسان عن رَميها بالعُيوب التي تَكرهُ أن تُعابَ بِها، سواء أكانت خِلقيّة لا تملِك من أمر تغييرها شيئًا كدَمامة وقِصر، أم كانت خُلقيّة لها دخل فيها كتباطؤ في إنجاز العمل، أو ثَرثرة كثيرة، فالله نَهَى بوجه عامٍّ عن السُّخرية والهَمز واللَّمز والتنابُز بالألقاب والسِّباب، والنبي ـ صلّى الله عليه وسلم ـ قال فيما يخصُّ المرأة ، كما رواه أبو داود بإسناد حسن ” ولا تَضرب الوجهَ ولا تُقبِّح ” أي لا تقل لها: قبَّحَكِ الله، يقول الحافظ المنذري بعد ذكر هذا الحديث : أي لا تُسمعها المكروه ولا تشتمها ولا تَقُل قَبَّحَكِ الله .
2- ومع عدم رميها بالعيوب، لا ينبغي الاشمئزاز وإظهار النفور منها، ولتكن النظرة إليها بعينين لا بعَين واحدة، فكما أن فيها عيوبًا فيها محاسِن ينبغي ألاّ تُغفَلَ وتُنسى، والله سبحانه يقول (فإنْ كَرِهْتموهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثيرًا) [سورة النساء: 19 ] والحديث يقول كما رواه مسلم ” لا يفرك مؤمنٌ مؤمنةً، إن كَرِهَ منها خلقًا رَضِيَ منها آخرَ ” ويُعجبني في هذا المقام ما جاء في ” الأحكام السلطانيّة للماوردي ” أن عمر بن الخطاب رأى رجلاً يطوف حول الكعبة وعلى عاتِقه امرأة حسناءُ ، وهو يقول :
عُدتُ لِهذِي جَمَلاً ذَلولا
مُوطَّأً أتبعُ السُّهولا
أَعْدِلُها بِالكَفِّ أَنْ تَميلا
أَحْذَرُ أَنْ تَسْقُطَ أَوْ تَميلا
أَرْجو بِذاكَ نَائِلاً جَزيلا
فقال له: من هذه التي وهبْتَ لها حَجَّكَ؟ فقال: امرأتي يا أميرَ المؤمنين، وإنَّها حمقاء مِرغامة، أَكول قَمّامة، لا يَبقى لها خامَة. فقال له : لِمَ لا تُطَلِّقُها؟ قال: إنّها حسناء لا تُفْرَك، وأمُّ صِبيان لا تُترَك. قال: فشأنك بها .
3-  عدم ذكر مَحاسن غيرها من النِّساء أمامها بقصد إغاظتها، فليس أقتلُ لشعور المرأة من ذلك وبخاصّة إذا كانت هذه المرأة ضُرَّتها أو جارتها أو لزوجها صلة بها أيًّا كانت هذه الصلة اللهم إلا إذا كان يقصد بمدح غيرها تأديبها وتوجيهها لتكون مثلها. روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت: ما غِرْتُ على أحد من نِساء النبيِّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ما غِرْتُ على خديجة وما رأيتُها قطُّ، ولكن كان يُكْثِر ذِكرَها، وربّما ذبح الشاة ثم يقطِّعُها أعضاءً ثم يبثعُها في صَدائق خديجة فربَّما قلتُ له: كأن لم يكن في الدُّنيا امرأة إلا خديجة، فيقول: إنّها كانت وكانتْ… وكان لي منها ولد ” .
4- حفظ أسرارها وبخاصّة ما يكون من الأمور الداخليّة التي لا يعرِفها إلا زوجها . يقول النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلَّم ـ فيما رواه مسلم ” إنَّ من أشرّ النّاس عند الله منزلة يوم القِيامة الرّجل يُفضي إلى امرأتِه وتُفضي إليه ثم ينشر سَرَّها “. أراد بعض الصالحين أن يطلِّق امرأتَه فقيل له: ما الذي يَريبُك منها؟ فقال : العاقل لا يهتكُ سِتْرَ امرأتِه. فلما طلَّقها قيل له: لمَ طلَّقْتَها؟ فقال: ما لي ولامرأةِ غَيري ؟
5ـ نداؤها بلفظ يُشعر بكرامتها مثل: يا أمّ فلان ، والعُرف مختلِف في ذلك .
6 ـ إلقاء السّلام عليها عند دخول البيت، لإيناسِها واطمئنانها، ففي حديث الترمذي وصحّحه” يا بُنَي، إذا دخلتَ على أهلك فسلَّم يكنْ سلامُك بركةً عليك وعلى أهل بيتِك ” .
تلك بعض المظاهر التي تدلُّ على احترام الإسلام لشعور المرأة، ليعاملها زوجها على ضَوئِها معاملة كريمة، وهناك أكثر وأوضح من ذلك في كتاب ” الأسرة تحت رعاية الإسلام ـ الجزء الثالث ” .

والله أعلم