السؤال:

أنا في حيرة من أمري وأسأل الله أن يهديني على أيديكم للحق، وتتلخص مشكلتي في أنني متزوج منذ عشر سنوات وزوجتي لا أعتب عليها في خلق ولا دين، وقد رزقني الله منها الولد، وبعد فترة من الزواج اضطررت للسفر سعيا في طلب الرزق. وأنا في غربتي تعرفت على فتاة هولندية حديثة عهد بالإسلام، وقد أحببتها ولم يكن أمامي سبيل إلا أن أتزوجها حتى أقطع على الشيطان كل طريق، وهنا بدأت المشكلة فزوجتي جن جنونها حين علمت بأمر زواجي، وما كان منها إلا أن استنجدت بوالدي –وتربطهما بزوجتي أم أولادي قرابة- فما كان من أبي وأمي إلا أن أصرا على أن أطلق زوجتي الثانية، وبجلوسي معهما لمعرفة السبب فلم أجد سببا مقنعا وإنما كلها أسباب واهية، ويرون أن مجرد زواجي بثانية هو ظلم لزوجتي، وأن تقاليد العائلة تأبى مثل هذا، وأخذا يتهدداني بأنني لن أبلغ رضاهما إلا إذا طلقت زوجتي الثانية التي أحبها ولم أر منها مكروها أبدا، ولكن أخاف أن يحل بي غضب الله إن أمسكتها أمام إصرار والدي على طلاقها فماذا أفعل؟ جزاكم الله عني كل خير

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

فلا شك أن حق الوالدين من أعظم الحقوق وآكدها، فبرهما من أعظم القربات، وعقوقهما من أكبر الموبقات، ولعظم حقهما قرن الأمر ببرهما والإحسان إليهما بالأمر بإفراده بالعبودية –جل وعلا- فقال سبحانه (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا) –النساء: 36-.

وقال سبحانه: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) –الإسراء: 23-.

وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد تعبدنا بطاعة الوالدين وبرهما والإحسان إليهما ولكن طاعتهما ليست طاعة عمياء وإنما طاعة مبصرة، ففي الحديث المتفق عليه (إنما الطاعة في المعروف).

فهل طلب الوالدين أو أحدهما أن يطلق الابن زوجته دون مسوغ شرعي من المعروف؟ وهل تجب طاعتهما؟

والجواب: ليس من المعروف الأمر بطلاق الزوجة وهدم كيان الأسرة دون مسوغ شرعي، وحسبنا أن نقف على هذا الحديث الذي رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه : (إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت)، قال الأعمش: أراه قال : (فيلتزمه).

ومع هذا فالذي يطالع أقوال أهل العلم في المسألة سيجد أن الفقهاء قد اختلفوا في مدى لزوم طاعة الوالدين إذا أمرا ابنهما بطلاق زوجته، وسبب اختلاف الفقهاء هو أمر سيدنا عمر بن الخطاب لابنه عبد الله بتطليق زوجته والقصة رواها الإمام أحمد وأصحاب السنن وفيها يقول ابن عمر: كانت تحتي امرأة وكنت أحبها، وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلقها، فأبيت فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (طلقها).

ولكن لو وضعنا أمام أعيننا النصوص التي نهت عن الضرر والتي تدل على أن الطلاق هو أبغض الحلال، واستقراء سيرة الفاروق عمر فإنه يستحيل أن يكون الباعث لدى الفاروق على أمر ابنه عبد الله أن يطلق زوجته أن يكون هوى في النفس أو لغرض شخصي، وأحسب أن من كان لأبيه حظ من الفراسة والتقوى والورع مثل ابن الخطاب فلا يسعنا القول إلا  بلزوم طاعته حينئذ.

فإذا كانت الزوجة لا يعتب عليها الزوج في دين ولا خلق وأمره أبواه بطلاقها فلا يلزمه طاعتها ولكن عليه أن يبرهما ويحسن إليهما، ولا يحمله هذا الأمر على هجرهما وعقوقهما.

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل متزوج ووالدته تكره الزوجة وتشير عليه بطلاقها هل يجوز له ‏طلاقها؟ فأجاب: لا يحل له أن يطلقها لقول أمه بل عليه أن يبر أمه وليس تطليق زوجته من بر أمه. انتهى.

وجاء في كشاف القناع للبهوتي الحنبلي:

ولا يجب الطلاق إذا أمره به أبوه فلا تلزمه طاعته في الطلاق؛ لأنه أمره بما لا يوافق الشرع (وإن أمرته به) أي الطلاق (أمه فقال) الإمام أحمد (لا يعجبني طلاق) لعموم حديث أبغض الحلال إلى الله الطلاق ; (وكذا إذا أمرته) أمه (ببيع سريته) لم يلزمه بيعها (وليس لها) أي الأم (ذلك) أي أمره ببيع سريته ولا طلاق امرأته لما فيه من إدخال الضرر عليه.

وخلاصة القول: لا طاعة للوالدين في الأمر بالطلاق ما لم يكن الباعث على ذلك هو فساد خلق الزوجة أو وهن دينها، أما إن كانت الزوجة مستقيمة الحال وحسنة الخلق، فلا طاعة لهما إن أمرا بطلاقها. فعلى الأخ السائل أن يمسك زوجته ومخالفته لأمر والديه بعدم طلاق زوجته ليس عقوقا.

والله أعلم.