السؤال:

أريد أن أقوم بأداء عمرة في رمضان المقبل بمشيئة الله تعالى، مع العلم بأنني سبق لي أن أديت فريضة الحج واعتمرت أكثر من مرة ولله الفضل والمنة، وقد تحدثت إلى أحد أصدقائي فأخبرني أن التصدق بهذا المال لدعم القوافل التي تتجه إلى غزة أحب إلى الله تعالى وأفضل من الذهاب للعمرة فما تعليقكم على ذلك ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

لا شك أن هناك تقصيرا في فهم الأولويات وترتيبها، وهذا واجب العلماء والدعاة ووسائل الإعلام، فقد يقوم العلماء والدعاة بواجب النداء ويقع التقصير من جانب وسائل الإعلام في القيام بواجب البلاغ.

ويمكن أن نضع أيدينا على إجابة ما جاء في رسالة الأخ السائل بسهولة لو صغنا السؤال بطريقة أخرى فنقول: أيهما يقدم النافلة أم فرض العين؟ النافلة أم فرض الكفاية؟

فلا خلاف أن الفرض مقدم على النافلة، ولذا قيل: من شغلته الفريضة عن النافلة فهو معذور، ومن شغلته النافلة عن الفريضة فهو مغرور.

فلا خلاف بين أهل العلم أن دعم المجاهدين ومساندتهم مقدمة على تكرار العمرة ومقدمة على حج النافلة، لما يأتي:

– عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله; قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله; قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور. متفق عليه.

– وعن ماعز –رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي الأعمال أفضل؟ قال إيمان بالله وحده ثم الجهاد ثم حجة برة تفضل سائر الأعمال كما بين مطلع الشمس إلى مغربها. رواه أحمد والطبراني وصححه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم (1091)

وفي مجموع الفتاوى لابن تيمية يتجلى لكل ذي بصيرة عمق فهمه وفقهه للأولويات فيقول -رحمه الله-:

… قد يكون مقام الرجل في أرض الكفر والفسوق من أنواع البدع والفجور أفضل: إذا كان مجاهدا في سبيل الله بيده أو لسانه آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر بحيث لو انتقل عنها إلى أرض الإيمان والطاعة لقلت حسناته ولم يكن فيها مجاهدا وإن كان أروح قلبا.

وكذلك إذا عدم الخير الذي كان يفعله في أماكن الفجور والبدع. ولهذا كان المقام في الثغور بنية المرابطة في سبيل الله تعالى أفضل من المجاورة بالمساجد الثلاثة باتفاق العلماء؛ فإن جنس الجهاد أفضل من جنس الحج كما قال تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين} ،  {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله} الآية ، {وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله وجهاد في سبيله قال: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور} . انتهى..

وقد سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العملية والإفتاء برئاسة سماحة الشيخ ابن باز -رحمه الله- أيهما أفضل التبرع للمجاهدين أم تكرار العمرة؟

فأجابت: كل من السفر للعمرة والإنفاق في سبيل الله عمل طيب مشكور، لكن العمرة نفعها قاصر على المؤدي لها، وأما الإنفاق في الجهاد فنفعه متعدي؛ فيكون البذل فيه أولى وأفضل. انتهى

وسئل سماحة الشيخ ابن باز –رحمه الله- تكرار الحج أفضل أم التبرع للمجاهدين؟

فأجاب: من حج الفريضة فالأفضل له أن يتبرع بنفقة الحج الثاني للمجاهدين في سبيل الله ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل أي العمل أفضل؟ قال إيمان بالله ورسوله; قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله; قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور.  متفق على صحته .

فجعل الحج بعد الجهاد ، والمراد به حج النافلة ؛ لأن الحج المفروض ركن من أركان الإسلام مع الاستطاعة ، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلمأنه قال : من جهز غازياً فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد  غزا.  ولا شك أن المجاهدين في سبيل الله في أشد الحاجة إلى المساعدة المادية ، والنفقةفيهم أفضل من النفقة في التطوع للحديثين المذكورين وغيرهما. انتهى.

ويوضح العلامة القرضاوي –حفظه الله- في كتابه فقه الجهاد علة تقديم الجهاد على حج النافلة فيقول: لأن الجهاد يتعلق بالدفاع عن الأمة وكينونتها ورسالتها، فلو هلكت الأمة هلك الأفراد، وضاع الحج وغيره من العبادات والشعائر والأركان، التي لا يمكن إقامتها واستمرارها إلا بوجود الأمة، والجهاد هو الذي يصونها ويدفع عنها، ويحافظ عليها.

إن إنقاذ هؤلاء المسلمين وأمثالهم في عدد من أقطار الإسلام فريضة على الأمة المسلمة بالتضامن، إذا لم يقم بذلك بعضهم أثمت الأمة كلها، وباءت بسخط الله، واستحقت نقمته وعقوبته.

إن المسلمين بحاجة إلى فقه الأولويات ليعرفوا كيف يقدمون ما حقه أن يقدم من الأعمال، ويؤخرون ما حقه أن يؤخر، ولا يقدمون المفضول على الفاضل، ولا النافلة على الفريضة، ولا الفريضة المتعلقة بحق الفرد على الفريضة المتعلقة بحق الجماعة.

ومن القواعد المقررة: أن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة، ولذا قيل : من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغلته النافلة عن الفريضة فهو مغرور.

وإننا نرى بأعيننا ملايين المسلمين مشغولين –بل منهمكين- في النوافل وأبرزها سنويا : حج التطوع وعمرة رمضان، وإخوانهم المسلمون في أوطان كثيرة في أمس الحاجة، بل الضرورة، إلى ما يمسك رمقهم، ويحفظ عليهم أصل الحياة. أ.هـ

الخلاصة: إن دعم القوافل الإنسانية لمساندة إخواننا المحاصرين على أرض غزة هي من أوجب الواجبات وهي مقدمة على تكرار الحج والعمرة.

والله أعلم