السؤال:

رجل متزوج وله أولاد، أخت الرجل تقول بأنها أرضعت زوجته .. فهل يكون هذا الزواج مشروعا ..أو يعتبر الزوج خالا لزوجته بالرضاعة وما هو العمل الآن ....جزاكم الله خيرا وبارك فيكم والسلام عليكم ورحمة الله

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

لقد اختلف العلماء حول نصاب الشهادة التي تثبت الرضاعة بين رجل وامرأة ليحصل التحريم بينهما، فذهب بعضهم إلى أنه لا يقبل شهادة أقل من أربعة نسوة ، بينما ذهب بعضهم إلى أنه لا يقبل أقل من شهادة امرأتين .

لكن الذي دلت عليه السنة الصحيحة أن شهادة امرأة واحدة كافية إذا كانت ثقة مأمونة لا مصلحة لها في التفريق بين الزوجين ، ولا بد من التفصيل في هذه الشهادة ، فتذكر المرأة كيفية الرضعات ، فقد تكون المرأة ألقمت هذه الزوجة ثديها لكنها لم ترضع ، كما  يجب  عليها أن تبين عددها ، فلا يحرم أقل من خمس رضعات مشبعات ، فإذا ثبت هذا امتنع الزواج بينهما، وإذا كانا متزوجين وجب التفريق بينهما ، ولا يحتاج الأمر إلى طلاق ، والأولاد ينسبون إلى أبيهم كما كانوا دون حرج.

وهذا هو قضاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري بسنده أن عقبةبن الحارث رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي قد تزوج بها. فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني. فركب إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم بالمدينة فسأله، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: كيف وقد قيل؟ ففارقها عقبة ونكح زوجاً غيرها. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

وقد جاء في بعض الروايات أن الرجل راجع النبي صلى الله عليه وسلم أربع مرار ، وفي كل مرة يقول له النبي صلى الله عليه وسلم : ” كيف وقد قيل ” أي كيف يمكن أن تستمر معها بعد هذا الذي قد قيل، ومع أن الرجل اتهم المرضعة بالكذب إلا أن ذلك لم يغير حكم النبي صلى الله عليه وسلم .

وكما أن هذا كان قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو قضاء سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فقد قال الزهري: فرق بين أهل أبيات في زمن عثمان رضي الله عنه بشهادة امرأة في الرضاع . وقال الأوزاعي : فرق عثمان بين أربعة وبين نسائهم , بشهادة امرأة في الرضاع .

وكذلك كان القضاة من بعده يفعلون ؛ فقد قال الشعبي : “كانت القضاة يفرقون بين الرجل والمرأة , بشهادة امرأة واحدة في الرضاع”

وعلى هذا كله… فنفتيك – مطمئنين- بوجوب فراق زوجتك دون طلاق إذا كانت أختك ثقة مأمونة، وشهدت أن الرضعات كانت خمسا متفرقات. وقد يكون سكوت الأخت طوال هذه الفترة دليلا على تهمتها ، أو مما يبعث على الريبة والتهمة ، فلينظر ذلك ، ويُتحر جيدا.

 هذا، ويجب توثيق هذه الفرقة في الوثائق الرسمية لدى القاضي الشرعي – المأذون- حتى يقوم بتسجيلها في الدوائر المختصة، وهذا إذا أردت أن تفارقها بنفسك دون قضاء بناء على هذه الفتوى، وإذا أردت أن تلجأ إلى القضاء، فالمحكمة وما تذهب إليه من مذاهب الفقهاء.

قال ابن قدامة في المغني :-

شهادة المرأة الواحدة مقبولة في الرضاع , إذا كانت مرضية . وبهذا قال طاوس , والزهري , والأوزاعي , وابن أبي ذئب , وسعيد بن عبد العزيز .

وعن أحمد , رواية أخرى : لا يقبل إلا شهادة امرأتين . وهو قول الحكم ; لأن الرجال أكمل من النساء ; ولا يقبل إلا شهادة رجلين , فالنساء أولى . وعن أحمد , رواية ثالثة , أن شهادة المرأة الواحدة مقبولة , وتستحلف مع شهادتها . وهو قول ابن عباس , وإسحاق ; لأن ابن عباس قال , في امرأة زعمت أنها أرضعت رجلا وأهله , فقال : إن كانت مرضية , استحلفت , وفارق امرأته . وقال : إن كانت كاذبة , لم يحل الحول حتى يبيض ثدياها . يعني يصيبها فيها برص , عقوبة على كذبها . وهذا لا يقتضيه قياس , ولا يهتدي إليه رأي , فالظاهر أنه لا يقوله إلا توقيفا .

وقال عطاء , وقتادة , والشافعي : لا يقبل من النساء أقل من أربع ; لأن كل امرأتين كرجل . وقال أصحاب الرأي : لا يقبل فيه إلا رجلان , أو رجل وامرأتان . وروي ذلك عن عمر ; لقول الله تعالى : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } .

ثم ساق ابن قدامة دليل المذهب الأول فقال :-

ما روى عقبة بن الحارث , قال { : تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب , فجاءت أمة سوداء , فقالت : قد أرضعتكما . فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم , فذكرت ذلك له , فقال : وكيف , وقد زعمت ذلك , } . متفق عليه وفي لفظ رواه النسائي , قال : { فأتيته من قبل وجهه , فقلت : إنها كاذبة . قال : كيف , وقد زعمت أنها قد أرضعتكما , خل سبيلها } . وهذا يدل على الاكتفاء بالمرأة الواحدة .
وقال الزهري : فرق بين أهل أبيات في زمن عثمان رضي الله عنه بشهادة امرأة في الرضاع . وقال الأوزاعي : فرق عثمان بين أربعة وبين نسائهم , بشهادة امرأة في الرضاع . وقال الشعبي : كانت القضاة يفرقون بين الرجل والمرأة , بشهادة امرأة واحدة في الرضاع . ولأن هذا شهادة على عورة , فيقبل فيه شهادة النساء المنفردات , كالولادة . وعلل الشافعي , بأنه معنى يقبل فيه قول النساء المنفردات , فيقبل فيه شهادة المرأة المنفردة , كالخبر . انتهى.

وقال الشوكاني بعدما ساق حديث عقبة السابق :-

استدل بالحديث على قبول شهادة المرضعة ووجوب العمل بها وحدها وهو مروي عن عثمان وابن عباس والزهري والحسن وإسحاق والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد ولكنه قال : يجب العمل على الرجل بشهادتها فيفارق زوجته ولا يجب الحكم على الحاكم وروي ذلك عن مالك وفي رواية عنه أنه لا يقبل في الرضاع إلا شهادة امرأتين , وبه قال جماعة من أصحابه وقال جماعة منهم بالأول .
وذهبت العترة- أي فقهاء آل البيت – والحنفية إلى أنه لا بد من رجل أو رجل وامرأتين كسائر الأمور ولا تكفي شهادة المرضعة وحدها بل لا تقبل عند الهادوية لأن فيها تقريرا لفعل المرضعة ولا تقبل عندهم الشهادة إذا كانت كذلك مطلقا , ولكنه حكى في البحر عن الهادوية والشافعية والحنفية أنه يجب العمل بالظن الغالب في النكاح تحريما ويجب على الزوج الطلاق إن لم تكمل الشهادة , واستدل لهم على ذلك بهذا الحديث.

وقال الإمام يحيى : هذا الحديث محمول على الاستحباب، ولا يخفى أن النهي حقيقة في التحريم كما تقرر في الأصول فلا يخرج عن معناه الحقيقي إلا لقرينة صارفة، والاستدلال على عدم قبول المرأة المرضعة بقوله تعالى : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } لا يفيد شيئا لأن الواجب بناء العام على الخاص , ولا شك أن الحديث أخص مطلقا .

وأما ما أجاب به عن الحديث صاحب ضوء النهار من أنه مخالف للأصول فيجاب عنه بالاستفسار عن الأصول فإن أراد الأدلة القاضية باعتبار شهادة عدلين أو رجل وامرأتين فلا مخالفة لأن هذا خاص وهي عامة وإن أراد غيرها فما هو ؟

وأما ما رواه أبو عبيد عن علي وابن عباس والمغيرة أنهم امتنعوا من التفرقة بين الزوج بذلك فقد تقرر أن أقوال بعض الصحابة ليست بحجة على فرض عدم معارضتها لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم فكيف إذا عارضت ما هو كذلك ؟

وأما ما قيل من أمره صلى الله عليه وسلم له من باب الاحتياط فلا يخفى مخالفته لما هو الظاهر ولا سيما بعد أن كرر السؤال أربع مرات كما في بعض الروايات والنبي صلى الله عليه وسلم يقول له في جميعها : {كيف وقد قيل} وفي بعضها : {دعها عنك} كما في حديث الباب , وفي بعضها : {لا خير لك فيها} مع أنه لم يثبت في رواية أنه صلى الله عليه وسلم أمره بالطلاق , ولو كان ذلك من باب الاحتياط لأمره به – أي كان النبي يأمره بالطلاق ، ولا يكتفي بمجرد التفريق- .

فالحق وجوب العمل بقول المرأة المرضعة حرة كانت أو أمة حصل الظن بقولها أو لم يحصل لما ثبت في رواية ” أن السائل قال : وأظنها كاذبة ” فيكون هذا الحديث الصحيح هادما لتلك القاعدة المبنية على غير أساس أعني قولهم : إنها لا تقبل شهادة فيها تقرير لفعل الشاهد ومخصصا لعمومات الأدلة كما خصصها دليل كفاية العدالة في عورات النساء عند أكثر المخالفين . انتهى.

وقال ابن دقيق العيد في شرح حديث عقبة أيضا في شرح عمدة الأحكام :-

من الناس من قال : إنه تقبل شهادة المرضعة وحدها في الرضاع , أخذا بظاهر هذا الحديث , ولا بد فيه مع ذلك أيضا – إذا أجريناه على ظاهره – من قبول شهادة الأمة , ومنهم من لم يقبل ذلك , وحمل هذا الحديث على الورع ويشعر به قوله عليه السلام ” كيف وقد قيل ؟ ” والورع في مثل هذا متأكد . انتهى.

وقد سئل ابن تيمية عن حكم قبول شهادة المرضعة فقال:-

إن كان الشاهد ذا عدل قُبِل قوله في ذلك ; لكن في تحليفه نزاع، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه يحلف فإن كانت كاذبة لم يحل الحول حتى يبيض ثدياها .

والله أعلم.