السؤال:

رجل طلق طلقة ثالثة في حالة غضب، وفي طهر جامع امرأته فيه، وهو يظن أنه واقع تحت تأثير سحر تفريق معين، فهل يعتبر هذا من حالات الغضب التي لا يقع معها الطلاق؟ وهل للسحر حكم معين في الطلاق إن ثبت؟ وهل الطلاق في الطهر الذي حدث فيه جماع يقع أم لا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

الطلاق البدعي هو أن يطلق الزوج زوجته وهي في حيض أو نفاس أو في طهر جامعها فيه، وقد اختلف الفقهاء في وقوع الطلاق البدعي وعدم وقوعه، فجمهور الفقهاء على أن الطلاق البدعي يقع، وذهب بعض السلف إلى القول بعدم وقوع الطلاق البدعي وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وجماعة من فقهاء الحنابلة المتأخرين، وكثير من المعاصرين.

في مسألة الطلاق المعروضة ثلاثة أمور:

الأول: أنه قد يكون بسبب السحر، وهذا مجرد احتمال، فلا يلتفت إليه، لكن لو حدث أن وقع سحر على إنسان فصار يوقع الطلاق، وهو لا يريده، ولا يقصده، أو قل: لو أصاب الإنسان وسواس، بحيث صار يتكلم في الطلاق عن غير إرادة، ولا تَقَصُّد، فهذا لا يقع طلاقه.

الثاني:إن الطلاق وقع في طهر جامعها فيه، وهذا طلاق بدعي محرم اتفاقاً؛ لقوله – تعالى -: “يَا أَيُّهَاالنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ” الآية، [الطلاق :1]. وفي قراءة: “في قُبُل عدتهن “، وهي قراءة تفسيرية توضيحية، فالمعنى: لا يجوز طلاق المرأة إلا في الوقت الذي تحتسب عدتها فيه منذ أول طلاقها، وذلك لا يكون إلا في الطهر الذي لم يجامعها فيه، بخلاف حال الحيض والنفاس، وحال الطهر الذي جامع فيه.

والحامل يحوز طلاقها بكل حال؛ لأنها لا تحيض، وأجلها يكون بوضع الحمل، كما قال – تعالى -: ” وأولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ ” الآية، [الطلاق :4] وهذا كله محل اتفاق بين العلماء، أنه لا يجوز الطلاق في حيض، ولا في طهر جامع فيه إذا كانت غير حامل.

لكن تنازع العلماء: هل يقع ذلك الطلاق البدعي، أم لا يقع؟ والأظهر أنه لا يقع إلا إذا أمضاه القاضي، واعتبره؛ لأن البدعة مردودة، ” من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد”[1]، أي: مردود.

والذين قالوا بوقوع الطلاق البدعي، هم أكثر العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة -رضي الله عنهم-، ولذلك يجب المبالغة في الزجر عنه، والتأنيب على فعله.

أما الذين قالوا بعدم وقوعه، فهم جماعة من السلف: كطاووس ، وعكرمة، وخلاس، وعمر، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطأة، وأهل الظاهر: كداود الظاهري وأصحابه، وطائفة من أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد، ويروى عن أبي جعفر الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وغيرهما من أهل البيت، كما أشار إلى ذلك كله الإمام (ابن تيمية) في (الفتاوى الكبرى 3/264)، وانظر: (ص 287-297).

والقول بعدم الوقوع هو اختيار الشيخ ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وجماعة من فقهاء الحنابلة المتأخرين، وكثير من المعاصرين، والله أعلم.

الثالثة:الطلاق في الغضب، وقد قسم (ابن القيم)، ثم (ابن عابدين)، وغيرهم الغضب إلى ثلاث مراحل:

الأولى: مبادئ الغضب، بحيث لا يحدث له تغير في عقله، ويكون عالماً عامداً لما يقول، وهذا يقع طلاقه.

الثانية: أن يغلق الغضب عليه عقله، فلا يعلم ما يقول، ولا يملك نفسه، فهذا لا يقع طلاقه، ولا سائر تصرفاته.

الثالثة: وهي الوسطى بين المرتبتين، فهذا محل نظر، وتردد، واجتهاد، ويمكن إلحاق ما غلب عليه الغضب بالحالة الثانية، فلا يقع طلاقه، وإلحاق من كان قادراً على التحكم في لسانه، وحركاته بالحالة الأولى فيقع طلاقه.

والله أعلم.

نقلا عن موقع الاسلام اليوم

[1] – رواه البخاري (2697)، ومسلم (1718).